وهم التضليل ووهم الشعارات

ناصر سعيد
الشعارات سمة أساسية من سمات الحياة السياسية والاجتماعية، عادة ما تعكس عددا من المعتقدات والمبادئ والخطط وبرامج العمل التنموي والإصلاحي والتطوير في مسيرة بناء اعتادها الليبيون وعاشوا معها لعقود شهدوا خلالها مراحل من التطور والتحول الجذري والانتقال من البدائية والتخلف والجهل إلى الإعمار والتقدم والازدهار.
كان لابد من هذه المقدمة المقتضبة كمدخل للحديث عن مستوى الانحدار والقاع الذي انتهت إليه مفاهيم المجتمع وقضاياه الراهنة وانسياق الجموع في بازار تعاطي الوهم السياسي وانبهار المواطن بالشعارات الاستهلاكية التي يروج لها صغار الساسة وصارت معها القضايا المصيرية وأهداف التحولات الكبرى أثرا بعد عين.
لقد صار سوق الوهم والتفاهة السياسية صناعة كاملة تدار بأموال الشعب ويدفع ثمنها الموطن وهو ضحيتها الأولى والأخيرة، لاحظنا مؤخرا رصد أموال طائلة لإنتاج مجموعة من البرامج الدعائية والخطابية لا تخدم إلا عصابة السياسة التي اختطفت البلد وحولته إلى سيرك وحفلات لعرض منجزات لا تتعدى أعمال الطلاء والإضاءة المبهرة وتوزيع الصريرات لشراء ذمم المتنفذين والناخبين.
كل هذه الممارسات تتم في بلد منهك اقتصاديا يحتاج إلى مشروع وطني لانتشاله اقتصاديا وسياسيا من الانزلاق نحو التشظي والانقسام والإفلاس وليس لجلب نجوم الميديا للضحك على الداخل والخارج بأن ليبيا تعافت على يد هؤلاء الأوباش في عملية تشبه إعطاء المسكنات لمريض يعاني أشد الأمراض فتكا.
لقد تكفل وزير الدولة للاتصال بالحكومة بإدارة مهرجانات وتكليف العشرات من نجوم الفن واللهو والموسيقى واستجلاب صناع المحتوى ومعدي ومقدمي البرامج وبتعليمات واضحة بحيث تجاوزوا كل الخطوط الحمراء في خلق الأوهام والصفات وتسويق الإشاعات واللعب على التناقضات وإنتاج منظومة أكاذيب في مهرجانات يظهر فيها رئيس الحكومة بوعود زائفة يبيع الأوهام للشباب من اليخوت والسيارات الفخمة والشركات والقروض السكنية وقروض الزواج ومشروعات عودة الحياة بأسعار خيالية ثم تنهار تلك الأمتار من الطرق أمام أول زخات مطر، وكلما أقام مشروع صيانة مرفق يشيد بحكومته ويلعن من قاموا ببنائه، فى استهتار بعقول الناس وتعد على الثوابت الوطنية والارتضاء بتواجد القوات الأجنبية ودعوة الناس للاحتفال بذكرى الاستقلال ورفع علم الاستقلال، إن هذا الأهطل وغيره ممن يدعون إلى ذلك لا يفهمون أن علم المملكة هو صناعة غربية ونسخة طبق الأصل من علم الأمريكان السود الذي اعتمدته منظمة البان افريكان عام 1921م، وأن هذا العلم انتهى وجوده القانوني والدستوري بصدور الإعلان الدستوري 1969 بتغيير العلم وحتى عندما جاء الإعلان الدستوري الناتوي عام 2011م لم ينص على شيء اسمه إعادة علم الاستقلال وإنما أقر علما جديدا بمواصفات وألوان وأحجام فقط تطابق ذلك العلم الذي يتطابق بشكل كبير أيضا مع أعلام دويلات إفريقية مثل ملاوي وموزمبيق خاضعة للسيادة البريطانية آنذاك.
لو أن الدبيبة لم يبع الوهم، وعمل بالشعارات الوطنية لربما تأثيرها كان يمنعه من تسليم مواطن ليبي لدولة أجنبية أو فكر مائة مرة وامتنع عن ارتكاب جريمة التطبيع بلقاء الصهاينة، للشعارات ضوابط وطريق لا يمكن لمن يؤمن بها أن يتجاوزها، فهي مسؤولية أخلاقية لا يتحلى بها إلا الوطني الصادق والمخلص لبلاده وشعبه.
