مقالات الرأي

الفساد سرطان يهدد قوت الليبيين

عثمان يونس

تجابه المؤسسة الوطنية للنفط صعوبات في رفع إنتاج البلاد من النفط للمستوى الذي كانت عليه قبل وقوع أحداث فبراير 2011، الأمر الذي يمكن أن يُعزى لسببين هما تقادم البنية الأساسية لقطاع النفط فضلاً عن فقدان 70% من قدرته التخزينية جراء الانقسام السياسي والحروب المتتالية التي أنتجها هذا الانقسام طيلة السنوات الأخيرة، والتي تعذر بسببها تجديد البنية الأساسية بشكل يوقف التسريب والهدر الذي ينهك حقول النفط.
وحسب تصريحات لرئيس المؤسسة الوطنية للنفط فإن المؤسسة تنفق ما بين 3 و3.5 مليار دولار سنويا على تجديد البنية التحتية للإنتاج والنقل، من خلال 45 مشروعا يجري تنفيذها حالياً، ووعد برفع الإنتاج إلى مليوني برميل في اليوم! بعد استكمال تنفيذ هذه المشروعات الجاري العمل فيها حاليا، إلا أن ما يتم تناقله من تقارير ودراسات عن وضع قطاع النفط والنخر الذي ضرب أطنابه فيه، بدءاً من رئاسة الحكومة وانتهاءً بالشركات العاملة مروراً بالمؤسسة وإدارتها يوحي بأن مثل هذه التوقعات هي ضرب من الخيال، إذ إن الفساد المؤسسي الذي ألمّ بالقطاع، والذي يستحيل معه تطوير العملية الإنتاجية، لم يكن وليد هذه الفترة، إنما بدأ مع استكشاف النفط في ليبيا.
هذا الفساد الذي ظهر مع بوادر وجود كميات تجارية من النفط الخام تحت باطن الأرض، وبموجب ذلك ولتنظيم عمليات استخراجه وتوزيع حصص الإنتاج أصدرت السلطات التشريعية خلال العام 1955 قانوناً ينظم امتيازات البترول والشركات المنتجة وحصة الدولة المضيفة، ويعاب على هذا القانون أنه كان يُؤمِّن امتيازات الشركات الأمريكية والبريطانية، وذلك بحكم سيطرة كل من بريطانيا وأمريكا على القرار السياسي في البلاد وهيمنة قواعدهما العسكرية على كامل ربوع ليبيا، ومع دخول مرحلة الإنتاج في أوائل عقد الستينيات من القرن الماضي شهدت البلاد هزات خطيرة الأمر الذي تطلب تعديل القانون في العام 1961 ثم في 1965 لزيادة حصة الحكومة الليبية من عائدات النفط.
وخلال هذه الحقبة مرت بالبلاد عدد من الحكومات عمدت شركات النفط الأجنبية العاملة في القطاع إلى نشر الفساد داخلها بدفع الرشى وشراء ذمم المسؤولين تمكنت من خلالها هذه الشركات من زيادة وتثبيت حصصها في الإنتاج والحصول على امتيازات التنقيب بأقل الاشتراطات وأقل عائد للدولة، وكان ذلك إيذاناً ببداية النخر في جسم القطاع الذي استشرى خلال فترات متفرقة حتى قامت الدولة بتأميم قطاع النفط في العام 1970 وغلّت يد الشركات النفطية الكبرى عن التصرف بقوت الليبيين، إلى أن قامت أمريكا بإيقاع الحصار على ليبيا في أوائل ثمانينيات القرن الماضي وسحبت شركاتها من العمل في القطاع فضلاً عن أنها حظرت تصدير المعدات والأجهزة المتعلقة بعمل قطاع النفط، الأمر الذي تسبب في ضعف أدائه، كما أسهم انخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية في بطء نمو القطاع رغم المحاولات التي انتهجتها الدولة لتطويره من خلال الشركات المحلية.
استمر هذا الوضع حتى أحداث فبراير 2011 التي تسببت في توقف الإنتاج بشكل كامل خلال بعض الفترات وظهور مافيا الفساد والتهريب، ومع بروز سطوة الميليشيات وتغول أمراء الحرب استشرى الفساد بين جميع مؤسسات الدولة خاصة في قطاع النفط، وما نشهده اليوم من تلاسن واتهامات متبادلة بين عدد من مسؤولي القطاع والبيانات المتضاربة للحكومة وكذلك آراء وتصريحات الخبراء والمختصين في القطاع دليل على أن هذا القطاع لم يسلم من هذا الورم السرطاني الذي ما أن يجتاح أي مؤسسة إلا ويضعفها.
يتفق الخبراء الاقتصاديون على أن الفساد في ليبيا شكل أحد العوائق الرئيسية في طريق العودة إلى مستوى إنتاج 2011 الذي تجاوز 1.7 مليون برميل في اليوم، وحذر تقرير دولي صدر مؤخراً تحت عنوان “اتفاق الفساد بين النخب الليبية يوفر هدوءا وهميا” من خطر التفاهمات بين الحيتان الكبيرة، بما يضُرُ القطاع الاستراتيجي في البلاد وهو قطاع النفط، كما أظهرت تقارير دولية، التنامي المتسارع للاقتصاد غير المشروع، المتمثل في تهريب النفط والهجرة غير الشرعية وإدارة شبكات من الفساد في أغلب مؤسسات الدولة، والتربح على حساب المشروعات الوهمية وتأثيره السلبي على الاستقرار الداخلي، في دولة ريعية، تعتمد اعتماداً كلياً على مورد واحد لتمويل الميزانية العامة بالإضافة إلى حجم التهديد، الذي يشكله هذا الاقتصاد على الاستقرار، ومساهمته في زيادة التشظي والانقسام السياسي، الأمر الذي يرى معه عديد المراقبين للوضع في ليبيا أن الدول الغربية متواطئة في استمرار حالة الفوضى والفساد المنتشر في ليبيا، إذ لا تخفى عنها هذه التجاوزات ومع ذلك فهي تغض الطرف، عن فساد هذه الطبقة من الزعماء الليبيين، وتستخدم ذلك لتوجيهها لفرض مصالحها أولاً بغض النظر عن مصلحة الليبيين.

زر الذهاب إلى الأعلى