سانتا كلوز.. المقاول

عفاف الفرجاني
أصبحت شخصية سانتا كلوز (بابا نويل) جزءا من الثقافة العالمية وأصبح الاحتفال بالسنة الميلادية الجديدة طقسا من طقوس الحداثة التي يعيشها العالم اليوم، هذه الشخصية التي في أساسها نشأت مع الأسقف القديس نيكولاس والتي قامت على مفهوم إنساني راق مفاده (عدد أقل من الهدايا لأنفسنا وعدد أكبر من الهدايا لإسعاد غيرنا) هذه العادة قد يظنها البعض دينية، لكنها فقط استحدثت على يد شخصية دينية ولا توجد لطقوسها أي معتقد ديني، فهي تقليد أساسه إنساني تم استغلاله ليتحول لمفهوم تجاري، مؤخرا جميع سكان العالم يعرفون أن (سانتا كلوز) هو شخصية ربحية تستعمله الشركات لترويج سلعهم على هيئة هدايا مدفوعة الثمن، وهذا ما صرح به أسقف كنيسة صقلية عن أنطونيو ستاليانو للأطفال الذين هم في مرحلة التعليم الأساسي، ونقل عبر مواقع التواصل الاجتماعي، واعتبره البعض بمنزلة صدمة لهم، عندما اتهم شركة الكوكاكولا وهي أول من دعم وطور الفكرة التجارية لهذا التقليد الذي في أصله خيري.
نحن اليوم كشعوب عربية وبعيدا عن التمييز الديني نستهلك أفكار هذا (السانتا) لنلاحق بذلك الغرب دون الوعي بقيمة الفكرة وما طرأ عليها من تحسينات، فسانتا كلوز العرب والمجتمعات المستهلكة غير سانتا أوروبا وأمريكا وكندا المسيس، حيث إن الأخيرة يتعامل فيها الأطفال مع العم كلوز ليس كونه شخصية أسطورية توزع الهدايا لإسعاد المجتمع الذي يعاني الضغوط الاقتصادية ويعاني التفكك الأسري فقط، بل هو وسيلة لإيصال أصوات ورسائل للمجتمع، فمثلا سانتا كلوز السويدي يتلقى آلاف الرسائل كل عام، ويرد عليها، لكنه يحتفظ بأخرى في الأرشيف منذ أكثر من قرن، لأنها تحوي رسائل تخرج عن المعتاد ومنها مطالبة العم كلوز بمساعدة أطفال مناطق الحروب والمجاعات في دول العالم الثالث.. الخ.
ولا يتم عرض إلا القليل منها ضمن متحف الشركة الأم في البلاد، وهذا النمط أيضا متبع لدى جميع الشركات المصنعة للعملاق ذي اللحية البيضاء، وطالما نحن متفقون أن شخصية السانتا في ظل العولمة والانفتاح شخصية غير دينية وما هي إلا عادة اقترنت برأس السنة الميلادية، هنا علينا أن نقف قليلا ونتخيل كم سيكون رائعا لو أن الفكرة التي جاءت عليها هذه الشخصية، وفي مقدمتها العمل الخيري والتطوعي تخدم عالمنا العربي المستهلك فقط للفكرة ظهريًا، خاصة أن بعض الدراسات أكدت أن الأغلبية من الناس يشعرون بحاجتهم إلى العطاء الإنساني أي التبرعات الخيرية خلال موسم أعياد وخاصة رأس السنة حتى لغير المسحيين، في محاولة منهم للتفاؤل بسنة جديدة، حيث يتبرع الكثير من الكبار والصغار للجمعيات الخيرية والمنظمات غير الربحية، هذا ما لوحظ في عام 2019 حيث تم جمع تبرعات بقيمة ملياري دولار، بالإضافة إلى ترسيخ بعض القيم ذات التأثير الكبير غير التبرع بالمال وأيضا الوقت التطوعي، وأداء أعمال اللطف العشوائية، وحضور الأحداث المجتمعية، كل هذه الأعمال النبيلة مختزلة في تأثير هذه الشخصية على سلوك الفرد وهذا ما يظهر لنا على المشهد العام.
السؤال الذي يطرح نفسه ماذا لو اجتمع نحو نصف مليار من سكان العالم وهو رقم تقديري للعدد المهول من ممارسي هذه الطقوس وتمت مساعدة أطفال العالم من منكوبي الأعاصير والزلازل والحروب كل سنة من مليارات الدولارات المجمعة، والجواب أن سانتا كلوز اليوم في مجتمعاتنا حديثة المدنية والتحضر أصبح يستعمل من قبل الشركات العالمية مثل شركات الأزياء والعطور وشركات الطيران والفنادق ومصانع السيارات… الخ.
حتى أن سانتا العربي تحديدًا أصبح برجوازيا وانتقائيا يوزع هدايا عقارية على شكل هدايا من نوع الرشاوى التي تقدم من مستفيد إلى مستفيد، سانتا بنسخته المشوهة سواء العربية أم الأجنبية هو شخصية نفعية، أين هذا البابا ذو اللحية البيضاء والملامح الطيبة وبأكياسه المحملة بكل خير من أطفال غزة وهم يصارعون آلة الموت وسط قسوة الطبيعة وتخاذل العالم، لا يوجد سانتا الطيب ولا هداياه الخيرية، يوجد سانتا (المقاول والمضارب) بسلع الغرب الحاقد.
