صحة الليبيين مسؤولية الدولة وحدها، والصحة حق لا يقبل التسليع ولا يقبل التنازل

بقلم / د.علي المبروك أبوقرين
إن صحة الليبيين ليست شأناً تجارياً ولا منفعة قابلة للبيع والشراء ولا مسؤولية يجوز للدولة أن تتقاسمها مع شركات التأمين أو الوسطاء أو المستثمرين وإنما هي حق أصيل ومشروع وأساسي وجوهري لكل مواطن، والتزام وطني وسيادي وأخلاقي وقانوني تتحمله الدولة الليبية بكامل مؤسساتها وأجهزتها التشريعية والتنفيذية والرقابية والقضائية والمالية والاقتصادية، دون تجزئة أو انتقاص أو تنصل أو إحالة للمسؤولية إلى غير أصحابها. إن ليبيا بما تمتلكه من ثروة طبيعية تتمثل في النفط والغاز، وبما لديها من امتداد جغرافي واسع وعدد سكاني محدود نسبياً، وباعتبارها دولة ريعية اقتصادياً في حاضرها والعقود المنظورة المقبلة، لا تملك مبرراً موضوعياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً لتحميل مواطنيها تكلفة الحصول على الرعاية الصحية، أو مطالبتهم بتمويل أمراضهم من دخولهم ومدخراتهم، أو إخضاع حقهم في العلاج لقدرتهم على الدفع. فالثروة الطبيعية ملك للأمة، ومن أهم وجوه استحقاقها أن تتحول إلى صحة وعافية وتعليم وكرامة وأمن اجتماعي، وأن يكون الإنفاق على صحة الإنسان أولوية سيادية واستثماراً في بقاء الدولة واستقرار المجتمع ومستقبل الأجيال، وليس عبئاً مالياً يجري البحث عن وسائل لنقله إلى المواطن. وعلى هذا الأساس فإن الدولة الليبية وحدها من خلال نظام صحي وطني عام وموحد ومتكامل، مسؤولة عن حماية صحة الليبيين وتعزيزها والمحافظة عليها أينما كانوا وحيثما وجدوا، في المدن والقرى والواحات والصحراء والمناطق النائية وفي كل شبر من أرض الوطن. وهي مسؤولة عن الوقاية من الأمراض ومكافحتها والقضاء على أسبابها متى أمكن، وعن حماية المجتمع من جميع التحديات والتهديدات والمخاطر الصحية المباشرة وغير المباشرة، الداخلية والخارجية والمعروفة والمستجدة والمتوقعة وغير المتوقعة. وتشمل هذه المسؤولية كل ما يمكن أن يهدد صحة الإنسان، من الغذاء والماء والهواء والبيئة والسكن والعمل والمنتجات والمواد الخطرة، إلى الأوبئة والجوائح والتغيرات المناخية والكوارث والطوارئ الصحية ومخاطر الأمراض الحيوانية والبيئية، وفق مفهوم الصحة الواحدة الذي يربط صحة الإنسان بصحة الحيوان وسلامة البيئة. والنظام الصحي الوطني ليس مجرد مجموعة مستشفيات ومراكز علاجية وصيدليات، ولا جهازاً إدارياً ينفق الأموال على الاستجابة للمرض بعد وقوعه وإنما منظومة وطنية لصناعة الصحة وحماية العافية، تبدأ بالاستباق والتنبؤ والرصد المبكر وتمتد إلى تعزيز الصحة والوقاية والفحص والكشف المبكر والرعاية الأولية المستمرة والرعاية الفردية والمنزلية والمجتمعية، والصحة العامة والصحة الواحدة، ثم التشخيص والعلاج والتأهيل والرعاية المصاحبة والتلطيفية، وتمتد مسؤوليتها إلى رعاية الإنسان في مختلف مراحل حياته من قبل الميلاد إلى ما بعد الوفاة، وفق احتياجاته الصحية وحقوقه الإنسانية. وهو المسؤول عن توفير العدالة الصحية والتغطية الصحية الشاملة لكل ليبي، دون تمييز أو استثناء، وعن ضمان حصول الجميع على خدمات متكاملة وآمنة وذات جودة ومعايير عالمية، وعن بناء مستشفيات ومراكز تخصصية ومرجعية متقدمة، لا في مبانيها وتجهيزاتها وتقنياتها فقط وإنما في كفاءة كوادرها ومناهج عملها وإدارتها وسلامة خدماتها ونتائجها العلاجية، على أن تكون موزعة وفق الاحتياجات السكانية والجغرافية والوبائية، وسهلة الوصول وقريبة من الناس، مع توفير منظومة إحالة ونقل طبي تضمن وصول المريض إلى مستوى الرعاية الذي تستدعيه حالته دون عوائق مالية أو إدارية أو جغرافية. وتشمل مسؤولية الدولة علاج جميع الأمراض المعدية والمزمنة والمعقدة والنادرة والمستعصية، وتوفير التشخيص الدقيق والعلاجات الحديثة والتقنيات الطبية المتقدمة، دون أن يصبح نوع المرض أو ارتفاع تكلفة علاجه سبباً في حرمان المريض أو تحميل أسرته أعباء لا تحتملها. كما تشمل توفير العلاج داخل ليبيا بالمستوى العلمي والمهني المعتمد عالمياً، وتأمين العلاج في الخارج عند الضرورة الطبية التي لا تتوافر لها الإمكانات الوطنية المناسبة، من خلال مستشفيات ومراكز عالمية عريقة ومتقدمة، وفق مسارات طبية واضحة وقرارات تخصصية مستقلة ورقابة صارمة وليس وفق المحاباة أو الاستثناءات أو المصالح أو أبواب الإنفاق المفتوحة بلا ضوابط. والدولة من خلال مؤسساتها الصحية المختصة هي المسؤولة حصرياً عن ضمان إمداد المواطنين بالأدوية واللقاحات والمستلزمات الطبية المأمونة والموثوقة والحديثة، من مصادرها الأصلية المعتمدة، وعن ضبط تسجيلها واستيرادها وتصنيعها وتخزينها وتوزيعها وجودتها وسلامتها، وتأمين استدامة سلاسل الإمداد ومخزوناتها الاستراتيجية، وحماية البلاد من الأدوية المغشوشة والمقلدة والمنتهية الصلاحية والمنتجات مجهولة المصدر. فالدواء ليس سلعة عادية في حياة المريض، ولا يجوز أن تتحكم في وصوله إليه المضاربة أو الاحتكار أو تقلبات السوق أو قدرة الأسرة على الدفع إنه جزء من الأمن الصحي الوطني، وتوفيره مسؤولية عامة لا يجوز التفريط فيها. ومن مقتضيات هذه المسؤولية أن تتحمل مؤسسات الدولة المالية والاقتصادية والتشريعية والرقابية واجب توفير التمويل الكافي والمستقر والمستدام للنظام الصحي العام، وأن تضمن له الموازنات التي تتناسب مع حجم المسؤوليات والاحتياجات والمخاطر الصحية والقدرات الاقتصادية للبلاد. فالتمويل الصحي ليس منة من الحكومة، ولا مخصصاً ثانوياً يخضع لما يتبقى من الموازنة وإنما استحقاق وطني ثابت ينبغي أن يقوم على التخطيط طويل الأجل وكفاءة الإنفاق والشفافية والمساءلة والرقابة، والربط بين الموارد والنتائج الصحية الفعلية. ولا يجوز أن يتحول نقص التمويل أو سوء الإدارة أو الفساد أو تعثر المؤسسات إلى مبرر للتخلي عن حقوق المواطنين. وفي هذا النموذج لا يدفع المواطن الليبي درهماً واحداً مقابل الخدمات الصحية التي يستحقها في النظام العام، ولا يتحمل ثمن فحص أو عملية أو إقامة علاجية أو دواء أو لقاح أو مستلزم طبي لازم لرعايته. فالمواطن لا ينبغي أن يُعاقب مالياً لأنه مرض، ولا أن يبيع مدخراته أو يستدين أو يستنزف أسرته كي يحصل على حق كفلته له ثروة بلاده ومسؤولية دولته. إن تمويل صحة الليبيين واجب على الدولة من موارد الأمة وليس فاتورة تُرسل إلى المريض عند حاجته. وبناءً على ذلك لا مكان لنظام تأمين صحي تجاري أو إلزامي يُفرض على الليبيين، ولا لاقتطاعات من المرتبات أو اشتراكات أو أقساط أو صناديق وسيطة تنقل تمويل الصحة من مسؤولية الدولة إلى جيوب المواطنين، أو تنشئ طبقات من المستفيدين بحسب الدخل والاشتراك ونوعية الوثيقة التأمينية. فالتأمين الصحي ليس ضرورة حتمية لكل دولة، ولا نموذجاً صالحاً للاستنساخ في جميع الاقتصادات والمجتمعات. وفي الحالة الليبية ينبغي أن يُبنى التمويل على طبيعة الاقتصاد الريعي وملكية المجتمع للثروة الطبيعية ومسؤولية الدولة عن تحويلها إلى حقوق وخدمات عامة. وإقحام منظومة التأمين التجاري أو الإلزامي في هذا الحق، بدلاً من بناء نظام عام ممول ومستدام، يفتح المجال لتعدد الوسطاء والمصالح الإدارية والمالية، ويهدد بتحويل العلاج إلى حدود تغطية واستثناءات وموافقات وفواتير ومطالبات، بدلاً من أن يكون حقاً مضموناً. أما القطاع الصحي الخاص فينبغي أن تكون له مساحة عمل مستقلة ومنفصلة تماماً عن النظام الصحي الحكومي العام، من حيث التمويل والإدارة والموارد والالتزامات، وألا يتحول إلى بديل عن واجبات الدولة أو وسيلة لإفراغ المؤسسات العامة من كوادرها وإمكاناتها. ويمكنه تقديم خدماته للأجانب والمقيمين وفق الأطر القانونية، واستقطاب المرضى من الخارج ضمن سياحة علاجية منظمة، كما يمكنه خدمة من يرغب من المواطنين اختياراً وبمحض إرادته وعلى نفقته الخاصة، دون إكراه أو تمييز أو استغلال. ويظل نشاطه خاضعاً بالكامل للتسجيل والترخيص والرقابة والتفتيش والمحاسبة ومعايير الجودة وسلامة المرضى والتسعير والضوابط المهنية التي تقرها مؤسسات الدولة. لكن لا يجوز الخلط بين وجود قطاع خاص مرخص وبين نقل مسؤولية صحة الليبيين إليه فهذه مسؤولية النظام العام، ولا يملك أي طرف تجاري حق الحلول محل الدولة فيها. إن الفصل التام بين العام والخاص ضرورة لحماية المال العام والوظيفة العامة والمريض معاً، ولمنع تضارب المصالح واستغلال النفوذ والاحتكار وتسرب الموارد البشرية والتجهيزات والأموال من النظام العام إلى المصالح التجارية. كما أن حماية الطبقة الوسطى من الاستنزاف الصحي ليست مسألة اجتماعية هامشية فهي حماية لعماد المجتمع واستقراره وقدرته على الإنتاج والتعلم والعطاء. وحين يضطر المواطن إلى إنفاق مدخراته على المرض أو بيع ممتلكاته لشراء دواء أو الاقتراض لإجراء عملية، فإن الضرر لا يصيب الفرد وحده وإنما يمتد إلى الأسرة والاقتصاد والتماسك الاجتماعي ومستقبل الأمة. إن تسليع الصحة وتحويل المرض إلى سوق، والمريض إلى زبون، والعلاج إلى فرصة ربح، والدواء إلى أداة مضاربة، والتأمين إلى وسيط يستقطع من حق المواطن، ليس مجرد اختلاف في أساليب الإدارة والتمويل إنه تحول خطير في طبيعة العلاقة بين الدولة والإنسان، وتراجع عن جوهر العدالة الاجتماعية ومفهوم المواطنة المتساوية. فالمرض ليس اختياراً، والاحتياج للعلاج ليس ترفاً، والقدرة المالية ليست معياراً للاستحقاق الصحي، ولا يجوز أن يصبح الفقر حكماً بالإقصاء من العلاج أو أن تتحول الثروة الخاصة إلى شرط للبقاء بصحة وكرامة. إن صحة الليبيين مسؤولية الدولة الليبية وحدها، والنظام الصحي الحكومي العام هو الضامن والمسؤول والممول والمنظم والمنفذ لهذه المسؤولية، من خلال مؤسسات وطنية كفؤة وخاضعة للمساءلة، وتمويل مستدام من ثروة الأمة، وخدمات متكاملة مجانية للمواطنين، وعدالة صحية لا تعرف الجغرافيا أو الطبقة أو القدرة على الدفع. فالصحة حق وليست سلعة، والدواء حق وليس امتيازاً، والعلاج حق وليس استثماراً في المرض. وثروة ليبيا ليست لتُكدس أو تُهدر وإنما لتصون حياة الليبيين وكرامتهم ومستقبل أجيالهم. لا تأمين صحي على حساب المواطن، ولا تسليع للصحة، ولا خصخصة للمسؤولية العامة، ولا تنازل عن حق الأمة في نظام صحي وطني موحد وعادل ومجاني. هذه ليست مطالبة بخدمة إضافية ولا رؤية مثالية معلقة على الإمكانات وإنما تحديد صريح لمسؤولية الدولة وحق المواطن. وأي سياسة أو تشريع أو ترتيب مالي أو إداري ينتقص من هذا الأصل أو ينقل تكلفة المرض إلى المواطن ينبغي أن يخضع للمراجعة والمساءلة لأن الدولة التي تمتلك ثروة الأمة لا يجوز أن تجعل صحة أبنائها رهينة فواتير السوق.
