ملفات وتقارير

سقوط القناع عن مافيا المليارات

تقرير / عفاف الفرجاني


حين يتحدث المستشار الصديق الصور، فهو لا يتحدث عن نقص إمدادات، بل عن منظومة فساد إداري متكاملة حولت قوت الليبيين إلى تجارة موازية.

ما كشفه النائب العام يؤكد أن التهريب لم يعد فعلًا فرديًّا على الحدود، بل شبكات تعمل من داخل منظومة التوزيع نفسها، بموزعين معتمدين وكيانات أمنية موازية وكيانات صناعية وهمية لا وجود لها إلا على الورق لتبرير نهب المخصصات.

هنا يلتقي ملف الوقود بملف الأمن. فالوقود الذي يفترض أن يضيء بيوت الليبيين ويحرك مستشفياتهم، أصبح العملة التي تمول الفوضى، وتغذي اقتصاد الظل، وتحصن المتورطين من المساءلة.

إنها ليست أزمة دعم.. إنها أزمة حكم، وأزمة رقابة، وأزمة من يحمي من يسرق.

لم يعد ملف الوقود في ليبيا مجرد أزمة إمدادات أو طوابير أمام محطات التوزيع، بل أصبح قضية تمس المال العام والأمن الاقتصادي وقدرة مؤسسات الدولة على حماية ثرواتها. فقد كشف النائب العام المستشار الصديق الصور، في تصريحات نقلتها وسائل إعلام ليبية، أن نحو 70% من الوقود ومشتقاته يذهب إلى شخصيات اعتبارية وجهات عامة وخاصة دون وجه حق، في مؤشر خطير على حجم الاختلالات التي تحيط بمنظومة الدعم والتوزيع.

المفارقة البنيوية أن ليبيا التي تطفو على احتياطي نفطي هائل، تستورد الجزء الأكبر من احتياجاتها بسبب محدودية التكرير. فوفق صندوق النقد الدولي، تصل واردات الوقود إلى نحو 90% من استهلاك البنزين و70% من استهلاك الديزل، وهذا ما يجعلها رهينة للسوق الدولية رغم كونها دولة منتجة.

دعم المواطن يتحول إلى تجارة موازية

تكمن المفارقة في أن الدولة الليبية تتحمل تكلفة استيراد المحروقات بأسعار السوق الدولية، ثم تبيعها محليًّا بأسعار مدعومة لحماية المواطنين. غير أن الفارق الكبير بين السعر المحلي والسعر الخارجي خلق حافزًا اقتصاديًّا ضخمًا للتهريب، وأتاح لشبكات منظمة الاستفادة من أموال الدعم على حساب الخزانة العامة والمستهلك الليبي.

وفي دراسة منشورة في يوليو 2025، قدَّر صندوق النقد الدولي أن دعم الطاقة المباشر في ليبيا بلغ نحو ثلث الإيرادات العامة و20% من الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2024، مع احتساب ترتيبات مبادلة النفط الخام بالوقود. كما ارتفعت فاتورة واردات الوقود من متوسط ثلاثة مليارات دولار سنويًّا خلال الفترة 2016–2019 إلى نحو تسعة مليارات دولار في 2024، وفقًا للبيانات التي استندت إليها الدراسة.

والصورة أوسع من ذلك. عند احتساب تكلفة النفط الخام المكرر محليًّا والغاز الطبيعي المستخدم في الكهرباء، يصل إجمالي فاتورة دعم الطاقة في عام 2024 إلى نحو 17 مليار دولار، أي ما يعادل 35% من الناتج المحلي الإجمالي. هذا الرقم يجعل ليبيا من بين أكثر أنظمة الدعم سخاء وسوء استهداف في العالم.

الصندوق الأسود المالي المقايضة خارج الميزانية

أصل الانفجار الحالي لا يعود إلى التهريب وحده، بل إلى آلية تمويله. منذ 2021، بدأت المؤسسة الوطنية للنفط تدفع ثمن معظم واردات الوقود بالنفط الخام نفسه عبر ما يعرف بآلية المبادلة crude-for-fuel swap. تقول منظمة The Sentry إن هذه الترتيبات تبقي معظم معاملات النفط خارج الدفاتر، مما سهل طفرة في الواردات، من نحو 20.4 مليون لتر يوميًّا في أوائل 2021 إلى أكثر من 41 مليون لتر بحلول أواخر 2024 – أكثر من الضعف.

النتيجة أن ديوان المحاسبة الليبي وجد أن نظام المبادلة قلل من الإيرادات والمصروفات الرسمية بنسبة 30 إلى 35 بالمئة. هذا يعني أن الدولة لا ترى كامل فاتورة الاستيراد ولا كامل إيراد التصدير، وتُخلق منطقة رمادية مثالية للتجاوز. وقد أعلنت المؤسسة في مارس 2025 وقف المبادلة والعودة لنظام المناقصات العامة الشفافة، حيث التزمت باستخدام المناقصات العامة لبيع النفط الخام وشراء الوقود من خلال معاملات منفصلة.

32 موزعًا في دائرة الاتهام

لم تبق التحقيقات في إطار التصريحات. فقد أعلنت النيابة العامة، في قضية سابقة بالمنطقة الممتدة من الزاوية إلى منفذ رأس اجدير، رصد 32 موزعًا معتمدًا يبيعون الكميات المخصصة لهم لجماعات التهريب، وأمرت بوقف تزويدهم بالوقود. وقد أعلن النائب العام عن إصداره توجيهات لشركات التسويق بإيقاف تزويد الوقود لـ32 موزعًا، نظرًا إلى تخصيصهم الكمية المحددة لهم لصالح جماعات.

وتكشف هذه الواقعة كيف يمكن أن تتحول منافذ التوزيع، التي يفترض أن تضمن وصول المحروقات إلى المواطنين، إلى حلقات في سلسلة الاستنزاف إذا غابت الرقابة الفعلية. فالبريقة نفسها تؤكد أن دورها يقتصر على التخزين والمناولة، بينما محطات التوزيع تتبع شركات أخرى، مما يوزع المسؤولية ويصعب المحاسبة.

وتتجاوز خطورة القضية المحطات والموزعين؛ إذ أشار النائب العام إلى استغلال كيانات أمنية موازية لمخصصات الوقود خارج القنوات الرسمية، فيما تحدث عن استخدام كيان صناعي وهمي للحصول على كميات كبيرة من المحروقات. وإذا ثبتت هذه الوقائع قضائيًّا، فإنها ستكشف عن اختراق لا يقتصر على التوزيع، بل يمتد إلى آليات تخصيص الموارد والرقابة عليها.

22 مليون لتر في قضية البريقة

في الأول من ديسمبر 2025، أعلن مكتب النائب العام حبس مسؤول تنفيذي وشؤون مجلس إدارة في شركة البريقة لتسويق النفط والغاز احتياطيًّا، على خلفية الاشتباه في إساءة تسويق وقود مدعوم وبيعه لمصلحة ملاك سفن تحمل العلم التركي، بالمخالفة للقواعد المنظمة للبيع.

ووفقًا للتفاصيل التي نشرتها وسائل إعلام ليبية استنادًا إلى بيانات النيابة، شملت الكميات 4.28 مليون لتر خلال 2023، و10.94 مليون لتر خلال 2024، و7.433 مليون لتر من كميات رُتّب لبيعها خلال 2025. أمر النائب العام بحبس مسؤول بشركة البريقة بتهمة بيع الوقود المدعوم، وذكرت نتائج التحقيق أن المتهم باع كميات من وقود الديزل لمالكي سفن تحمل العلم التركي بالسعر المدعوم البالغ 150 درهمًا، بدلًا من السعر المرجعي المقرر للسفن الأجنبية، والمقدر بنحو 637.35 دولار للطن المتري.

هذه القضية تضع آليات التسويق والتسعير والتدقيق أمام اختبار حقيقي كيف أمكن تمرير هذه الكميات؟ وأين كانت أنظمة المراجعة الداخلية؟ ومن راجع العقود والمستندات التي سمحت بإتمام العمليات؟

مليارات تتبخر من الاقتصاد

في إحاطتها أمام مجلس الأمن في يونيو 2026، أشارت الممثلة الخاصة للأمين العام، هانا تيتيه، إلى زيادات غير مبررة في استهلاك الوقود بين عامي 2021 و2024، شملت ارتفاع سحب البنزين لدى أجهزة الأمن العام بنسبة 621%، وزيادة استهلاك الديزل لدى القوات المسلحة بنسبة 1527%، وارتفاع استخدام الديزل في قطاع الكهرباء بنسبة 203%. وهي أرقام استندت فيها الإحاطة إلى تقارير ليبية رقابية.

اللافت أن هذه الأرقام تتزامن مع أزمة كهرباء خانقة. فالمبعوثة الأممية نفسها قالت إن ليبيا تنفق نحو مليار دولار شهريًّا على واردات الوقود، ومع ذلك تستمر محطات الطاقة في الانقطاع، مما يكشف أن الوقود المستورد لا يتحول بالضرورة إلى كهرباء للمواطن.

وفي أكتوبر 2026، حذرت تيتيه مجددًا من حجم النزيف، موضحة أن ليبيا استوردت 8.15 مليون طن متري من الوقود بين يناير وسبتمبر 2026، بتكلفة بلغت 8.9 مليار دولار، وأن التقديرات تشير إلى تعرض ما بين 30% و50% من الواردات للتهريب، بقيمة تتراوح بين 2.4 و4.4 مليار دولار، بينما تشير تقارير أممية إلى أن نحو 30% إلى 40% من الوقود المدعوم يتم تحويله للتهريب، مما يؤدي إلى خسائر تتجاوز 4.4 مليار دولار.

الكلفة على المواطن والدينار

التهريب لا يسرق خزينة فقط، بل يضرب القدرة الشرائية مباشرة. في إحاطتها في أكتوبر 2026، أكدت تيتيه أن الليبيين يواجهون تآكلًا في القوة الشرائية، مدفوعًا بانخفاض قيمة الدينار بنحو 14 بالمئة وارتفاع حاد بنسبة 3.8 بالمئة في أسعار السلع في أغسطس. عندما يُباع وقود مدعوم بـ 150 درهمًا في الداخل ويُعاد بيعه في عرض البحر بآلاف الدولارات، فإن الفارق يُمول اقتصادًا موازيًا يضغط على سعر الصرف ويمول شبكات تهريب البشر والسلاح على الساحل الغربي.

القانون هو الحل.. لا الاستبدال النقدي

والفيصل هنا هو ما أكده النائب العام نفسه، القضية ليست أزمة توزيع، بل جريمة منظمة تستوجب تفعيل نصوص القانون الجنائي، لا الاكتفاء بقرارات إدارية بوقف التزويد. فأمر النائب العام بضبط 103 أشخاص متورطين بتهريب الوقود وبيعه بسعر غير قانوني، وقراره حبس مسؤولي البريقة ووقف 32 موزعًا، يؤكد أن الحل يبدأ من المحاسبة القضائية الصارمة لكل من يثبت تورطه، مهما كان موقعه، سواءٌ أكان موزعًا أم كيانًا أمنيًّا موازيًا أم كيانًا صناعيًّا وهميًّا. أما الطرح المتداول عن استبدال المحروقات بمقابل نقدي، فهو حل أثبت فشله في الواقع الليبي، لأنه لا يعالج التهريب من المنبع، بل ينقل الأزمة إلى جيب المواطن مباشرة. فرفع الدعم وتحويله لفلوس سيرفع سعر النقل والخبز والكهرباء وكل شيء، ويخلق تضخمًا يلتهم أي مبلغ نقدي يوزع، بينما تستمر شبكات التهريب في الاستفادة من فرق السعر عبر الحدود.

من يراقب منظومة الرقابة

إن خطورة ملف الوقود لا تكمن في حجم الأموال المهدرة وحده، بل في احتمال تداخل مصالح المستفيدين مع جهات يفترض أن تمنع التجاوزات. فاستمرار الاختلالات رغم التحقيقات والإجراءات السابقة يفرض مساءلة مؤسسية تشمل منظومة التخصيص والاستيراد والتسويق والنقل والتوزيع، وصولًا إلى الجهات الأمنية والرقابية المختصة.

المطلوب اليوم ليس الاكتفاء بإغلاق محطات أو توقيف مسؤولين على ذمة التحقيق، بل نشر بيانات دقيقة عن الواردات والمخصصات والمبيعات، ومطابقة الكميات المستوردة بما يصل إلى المحطات والمستهلكين، وتتبع الشحنات، وإعلان نتائج التحقيقات والأحكام القضائية وفق القانون، وإلزام المؤسسة الوطنية للنفط بنشر مناقصات علنية لكل شحنة.

في النهاية إن دعم الوقود الذي يفترض أن يكون حقًّا للمواطن لا يجوز أن يتحول إلى امتياز لشبكات التهريب أو أداة لإثراء أصحاب النفوذ. وأمام الأرقام التي كشفها النائب العام والتقارير الدولية، يصبح السؤال الأهم:

هل تنتهي هذه القضية بملاحقة بعض الحلقات، أم تصل المحاسبة إلى كل من يثبت تورطه، مهما كان موقعه؟ فأموال الدعم ليست ملكًا للمسؤولين ولا للشركات ولا للتشكيلات المسلحة، إنها أموال الليبيين، وحمايتها اختبار حقيقي لسيادة القانون.

زر الذهاب إلى الأعلى