الطب ليس وظيفة متجانسة والإنصاف لا يتحقق بتوحيد المرتبات وإنما بعدالة التمييز بين الكفاءات والمسؤوليات

إن من أكبر أخطاء الإدارة العامة أن تتعامل مع المهن الطبية بمنطق الوظيفة التقليدية، وأن تختزل الطبيب في رقم وظيفي ودرجة مالية وسنوات خدمة وشهادة جامعية، وكأن الطب مهنة متجانسة، وكأن كل طبيب يؤدي العمل نفسه ويتحمل المسؤولية نفسها ويملك القدرات والمهارات والخبرات ذاتها، ويواجه المخاطر والأعباء المهنية نفسها ويحقق النتائج الصحية نفسها. وهذه ليست مجرد مشكلة في جداول المرتبات وإنما خلل في فهم طبيعة المهنة الطبية ذاتها، وفي فلسفة إدارة الموارد البشرية الصحية، وفي مفهوم الإنصاف الوظيفي والعدالة المهنية. إن الطب من أكثر المهن الإنسانية والعلمية والمهنية تعقيدا وتنوعا فهو علم متجدد وممارسة سريرية ومسؤولية أخلاقية وقانونية ومهارة تطبيقية وقدرة على اتخاذ القرار في ظروف قد تتعلق فيها حياة الإنسان بدقائق معدودة. والطبيب لا يتساوى مع غيره لمجرد حمله الشهادة نفسها كما أن الأطباء لا يتساوون بالضرورة لمجرد انتمائهم إلى التخصص نفسه. فهناك تفاوت في التأهيل والتدريب والتخصص الدقيق والخبرة العملية والمهارات الإجرائية، والقدرة على التشخيص والتدخل، وإدارة الحالات المعقدة، والتعامل مع الطوارئ والمضاعفات، والبحث والتطوير، والقيادة المهنية، وتحقيق الجودة والسلامة والنتائج الصحية. وهناك تفاوت جوهري بين طبيب يعمل في الرعاية الصحية الأولية والوقاية والتنبؤ بالمخاطر والكشف المبكر وصناعة الصحة، وطبيب يعمل في الطوارئ والإنعاش والعناية المركزة، وطبيب يمارس الجراحة الدقيقة أو التخصصات عالية التعقيد، وطبيب يعمل في الطب الميداني والحربي وطب الكوارث والأوبئة والأمراض السارية والمعدية، وطبيب يعمل في العيادات التخصصية والممارسة الإكلينيكية المعتادة، وطبيب يتفرغ للتعليم الطبي والبحث العلمي والتطوير الأكاديمي. لكل مسار طبيعة مختلفة من المسؤوليات والمهارات والضغوط والمخاطر ومتطلبات التأهيل ولا يمكن أن يكون التعامل معها عادلا إذا أُخضعت جميعها لمعيار مالي واحد. إن إصلاح أوضاع العناصر الطبية في ليبيا يجب أن يبدأ بتغيير التفكير والمنهجية قبل تغيير جداول المرتبات. فالخطوة الأولى هي إنشاء منظومة وطنية دقيقة للتوصيف الوظيفي والعلمي والمهني، تشمل كل وظيفة ومهنة وتخصص وتخصص دقيق ودرجة علمية ودرجة مهنية وخبرة، وتحدد بصورة تفصيلية المؤهلات المطلوبة، ومتطلبات التعليم والتدريب، والشهادات التخصصية والاعتمادات المهنية، والمهارات الواجب إتقانها، والإجراءات التي يسمح بممارستها، والإجراءات التي لا يجوز ممارستها، ومستويات الاستقلالية والمسؤولية، وحدود الصلاحيات السريرية، ومعايير الكفاءة والأداء والتميز. فليس كل من يحمل شهادة في تخصص معين مؤهلا تلقائيا لممارسة جميع إجراءاته وتدخلاته. فالممارسة الآمنة تتطلب تحديد نطاق الممارسة المهنية والصلاحيات السريرية بناء على التأهيل والتدريب المثبت والكفاءة العملية والاعتماد والتقييم الدوري. وينبغي أن يكون لكل إجراء طبي مستوى محدد من الكفاءة، ومتطلبات واضحة للممارسة والإشراف، وحدود معلومة للمسموح والممنوع، بما يحمي المريض والطبيب والمؤسسة الصحية معا. أما الخطوة الثانية فهي إعادة بناء السلم الوظيفي والمالي الطبي على أساس تصنيف المسارات المهنية وأهميتها الاستراتيجية وطبيعة مسؤولياتها، وليس على أساس الدرجة الإدارية وسنوات الخدمة وحدهما. وأرى أن الخطوط الأمامية التي تتحمل العبء الأكبر في حماية المجتمع وصناعة الصحة والاستجابة للمخاطر يجب أن تحظى بمكانة مهنية ومالية متقدمة للغاية. ويشمل ذلك أطباء الرعاية الصحية الأولية والصحة العامة والطب الوقائي والاستباقي والتنبؤي، وفرق الطوارئ والإنقاذ والإنعاش والعناية المركزة بمختلف تخصصاتها، والطب الميداني والحربي وطب الكوارث، وطب الأوبئة والأمراض السارية والمعدية والفاشيات والجوائح. إن هذه المسارات ليست وظائف هامشية أو محطات انتظار قبل الوصول إلى التخصصات المستشفوية وإنما هي خطوط الدفاع الأولى عن حياة المجتمع وأمنه الصحي، وتتطلب جاهزية مستمرة، ومهارات استثنائية، وقدرة على اتخاذ القرارات تحت الضغط، وتحمل أعباء نفسية وجسدية ومهنية عالية. ولذلك ينبغي أن تكون مرتباتها وحوافزها ومزاياها مجزية جدا، وأن تعكس قيمتها الاستراتيجية، لا أن تكون أقل من المسارات الأخرى لمجرد أن بعض العاملين فيها لا يمارسون أعمالهم داخل المستشفيات الكبرى. كما يجب أن تتضمن المنظومة تمييزا ماليا حقيقيا للعاملين في المناطق النائية والبعيدة والأرياف والمدن الصغيرة، بحيث يحصلون على بدلات جذب واستقرار ومخاطر وسكن وتنقل، ومزايا مهنية وتعليمية مناسبة. فمن يتحمل مشقة العمل في بيئة محدودة الإمكانات وبعدا عن مراكز الخدمات والتدريب لا يجوز أن يعامل ماليا معاملة من يعمل في مدينة كبرى تتوافر فيها فرص الحياة والتطور المهني والخدمات. ثم يأتي المسار الإكلينيكي الذي يشمل التخصصات الطبية الرئيسية والتخصصات الدقيقة والحديثة والمتفرعة عنها، وتحدد لكل تخصص درجاته المهنية والمالية وفق طبيعة العمل ومستوى التعقيد والمسؤولية والمخاطر، وطول سنوات التأهيل والتدريب، وندرة المهارات، وحجم الطلب المجتمعي، ومتطلبات الاستدعاء والمناوبات، والقدرة على التعامل مع الحالات الحرجة والإجراءات المعقدة. ويجب كذلك الفصل الوظيفي والمالي بين المسار الأكاديمي الجامعي الذي يتضمن التعليم الطبي والبحث العلمي والإشراف والتطوير المعرفي، والمسار السريري الإكلينيكي الذي يتفرغ لتقديم الرعاية والتشخيص والعلاج والإجراءات الطبية، مع إتاحة المسارات المشتركة لمن يجمع بينهما فعليا. فلا ينبغي أن تكون الدرجة الأكاديمية بديلا عن الكفاءة السريرية كما لا ينبغي التقليل من قيمة الطبيب السريري الذي لا يعمل في الجامعة ولا من قيمة الباحث والأستاذ الذي يقدم إسهاما علميا وتعليميا حقيقيا. أما الخطوة الثالثة فهي الانتقال من نظام الترقيات القائم على الأقدمية والشهادات وحدهما إلى نظام يرتبط بالكفاءة المثبتة والأداء والتقارير المهنية والتدريب المستمر والتطوير والإنجاز والالتزام بمعايير الجودة وسلامة المرضى. وينبغي أن تتضمن منظومة التقييم مؤشرات موضوعية متعددة منها جودة التشخيص والعلاج، والالتزام بالبروتوكولات والأدلة العلمية، والمضاعفات التي يمكن تجنبها، والنتائج الصحية، ومعدلات التعافي، وإعادة التنويم، وتكرار الإجراءات، وكفاءة استخدام المستهلكات والموارد، ومتوسط مدة الإقامة عند ملاءمة ذلك، ورضا المرضى، والمساهمة في البحث والتطوير وتحسين الممارسة. على أن تراعى طبيعة كل تخصص، وشدة الحالات، ومخاطر المرضى، والإمكانات المتاحة، وألا تتحول المؤشرات إلى أرقام جامدة أو حوافز تشجع على الإفراط في الإجراءات أو انتقاء المرضى الأسهل أو التضحية بجودة الرعاية. فالتميز لا يقيم بعدد العمليات وحده ولا بعدد المرضى وحده ولا بسرعة إنجاز الإجراءات وحدها وإنما بمزيج متوازن من الكفاءة والأمان والجودة والنتائج والمسؤولية والالتزام المهني مع الاعتراف بأن الرعاية الصحية عمل جماعي لا يجوز أن تنسب نتائجه إلى فرد واحد بمعزل عن الفريق والمنظومة. أما المرتبات فأرى ضرورة إعادة هندستها بالكامل بحيث يكون هناك حد أدنى عادل لكل من يستوفي شروط المؤهل الجامعي الأساسي ويمارس عمله ضمن نطاقه المهني ثم تتدرج الدخول بعد ذلك بصورة واضحة ومعتبرة وفقا للتخصص والتأهيل الإضافي والكفاءة والمهارات المعتمدة والخبرة والمسؤولية وطبيعة العمل وموقعه والأداء والتميز. ويجب ألا تكون الفروق شكلية أو محدودة إلى درجة إلغاء معنى التميز وإنما فروقا مالية حقيقية تعكس الاختلافات المهنية والعلمية والوظيفية. ولا يعني ذلك الانتقاص من أي تخصص أو مهنة وإنما الاعتراف بأن المساواة الحسابية بين أعمال مختلفة قد تكون ظلما مقنعا، وأن العدالة لا تعني أن يحصل الجميع على الشيء نفسه وإنما أن يحصل كل إنسان على ما يستحقه وفقا لمعايير معلنة وعادلة وقابلة للقياس والمراجعة. إن ليبيا تحتاج إلى عقد مهني جديد مع كوادرها الطبية، يقوم على توصيف دقيق، وتصنيف علمي ومهني، واعتماد للكفاءات، وتحديد للصلاحيات، ومسارات وظيفية متعددة، وسلم مالي متدرج، وحوافز مرتبطة بالأداء، وترقيات مرتبطة بالاستحقاق، وضمانات تمنع المحاباة والتمييز غير الموضوعي والتدخلات الإدارية والسياسية. والأهم أن تتولى صياغة هذه المنظومة لجان وطنية متخصصة تضم ممثلي المهن الطبية والجامعات والجهات الصحية والاعتماد والجودة والموارد البشرية والمالية، وأن تستند إلى دراسات عبء العمل وتحليل الوظائف والاحتياجات الوطنية والمقارنات المهنية الدولية، مع مراجعة دورية تضمن مواكبة تطور العلوم والممارسات الطبية. إن إصلاح مرتبات العناصر الطبية ليس مجرد زيادة مالية ولا معالجة مؤقتة لمطالب وظيفية وإنما إعادة تعريف لقيمة الإنسان الذي يحمي حياة الإنسان، وإعادة اعتبار للعلم والخبرة والمهارة والمسؤولية والتميز. ولا يمكن بناء نظام صحي حديث بعقلية إدارية تساوي بين المختلفين، ولا يمكن الاحتفاظ بالكفاءات إذا لم يشعر أصحابها بأن العلم والتخصص والجهد والتميز والمسؤولية لها قيمة حقيقية في مؤسسات الدولة. إن الطبيب ليس رقما في جدول المرتبات، والشهادة ليست صكا للمساواة المهنية المطلقة، والأقدمية ليست شهادة تميز، والعدالة ليست تسوية الجميع في منزلة واحدة. إنما العدالة أن نعرف ماذا يعمل كل فرد وماذا يتقن وماذا يتحمل من مسؤولية وما حدود كفاءته، وما القيمة التي يضيفها لصحة المجتمع، ثم نمنحه حقه المهني والمالي على هذا الأساس. هذه هي العدالة التي تستحقها الكوادر الطبية وهذا هو التفكير الذي تحتاجه ليبيا إذا أرادت أن تنتقل من إدارة الوظائف إلى إدارة الكفاءات، ومن شراء ساعات العمل إلى الاستثمار في الإنسان والعلم وصناعة الصحة.
