مقالات الرأي

اقتصاد الانتباه ورأسمالية المراقبة



بقلم / محمد عبدالقادر

التشريح السياسي والاقتصادي لصناعة التفاهة: لا يمكن فهم طوفان المحتوى السطحي والتافه الذي يجتاح وسائط التواصل الاجتماعي اليوم باعتباره مجرد مصادفة عابرة أو ميولًا فردية تلقائية، بل هو البنية التحتية لنموذج اقتصادي وسياسي متكامل يُعرف بـ “رأسمالية المنصات”.

ففي عصر “اقتصاد الانتباه” تحولت عقول الأفراد وأوقات فراغهم إلى المادة الخام الأساسية التي تُستخرج وتُحلل لتوجيه السلوك البشري.

تعتمد شركات التقنية الكبرى (التي وثقت تفاصيل آلياتها المفكرة شوشانا زوبوف في كتابها عهد رأسمالية المراقبة) على خوارزميات مصممة بدقة لتعظيم الربح المادي.

ولأن المحتوى العميق يتطلب جهدًا ذهنيًّا يبطئ سرعة التصفح، فإن الخوارزميات تبرمج لتفضيل المثيرات العاطفية السريعة والصادمة والمبتذلة، لأنها الأقدر على شد الانتباه وتوليد تدفقات مستمرة من الإعلانات.

هذا التسليع الشامل للإنسان لم يعد مقصورًا على الأشياء المادية، بل امتد ليشمل الأفكار، والمشاعر، والهوية الشخصية، حيث يُدفَع المستخدم لتحويل حياته الخاصة إلى عرض استهلاكي مستمر بحثًا عن تفاعلات افتراضية تفرز دفقات مؤقتة من الدوبامين.

تتجلى جذور هذه الظاهرة بوضوح فيما طرحه الفيلسوف الكندي مارشال مكلوهان في مقولته الشهيرة “الوسيلة هي الرسالة”؛ فالتصميم التقني لمنصات التواصل الاجتماعي اليوم لا ينقل محتوى فحسب، بل يعيد تشكيل بنيتنا الإدراكية وطريقتنا في التفكير، محولًا إيانا إلى كائنات عاجزة عن التركيز الطويل أو التأمل العميق.

 وفي السياق ذاته، قدم الفيلسوف الفرنسي آلان دونو تشخيصًا ثوريًّا لهذه الحالة في كتابه نظام التفاهة، حيث يرى أن العالم المعاصر قد شهد انقلابًا هادئًا أُقصي فيه أصحاب الكفاءة لصالح طبقة من “التافهين” الذين أعادوا إنتاج الهياكل الاقتصادية والسياسية بما يخدم الابتذال المنظم، حتى أصبحت التفاهة نظام حكم وقيمة عليا تُدار بها المجتمعات لضمان تدجينها.

هذا التحول يستدعي أيضًا استدعاء تحذيرات مدرسة فرانكفورت النقدية، ولا سيما ثيودور أدورنو وماكس هوركهايمر اللذين سكَّا مصطلح “صناعة الثقافة”؛ فقد تنبَّها مبكرًا إلى كيف تحولت الثقافة والفن إلى سلع مصممة لتسطيح المخيلة وإلهاء الجماهير عن التناقضات البنيوية للنظام الرأسمالي.

واليوم، تعمل خوارزميات المنصات كإصدار مطور وأكثر توغلًا لصناعة الثقافة الكلاسيكية.

وكما أشار المفكر غي دوبور في كتابه مجتمع الاستعراض، فإن الحياة نفسها قد تحولت إلى مجرد استعراض بصري تراجعت فيه التجربة المعيشة لصالح الصورة والوهم، بحيث يُستبدل الوجود الفعلي بالتلقي السلبي.

وعلى المستوى السياسي، فإن إغراق الوعي الجماعي بالمحتوى التافه والسطحي يحقق مصلحة عليا للقوى المهيمنة؛ فالمجتمع الغارق في السطحية، والمنهك بتفاهات اللحظة، والمنفصل عن واقعه الحقيقي، هو مجتمع مسالم سياسيًّا ومخصي نقديًّا.

إن تغييب الوعي النقدي عبر “عقلية القطيع” ووسائط الإلهاء الرقمي ليس عَرَضًا جانبيًّا، بل هو أداة فعالة لنزع فتيل الوعي الاجتماعي، وتحويل طاقات الغضب والتساؤل إلى صراعات وهمية ومفرغة، مما يُبقي آلة الهيمنة والاستهلاك مستمرة بلا مقاومة فكرية حقيقية.

زر الذهاب إلى الأعلى