المشروع الحضاري النهضوي العربي: ماهيته وضرورته التاريخية

فتحي بن شتوان
لا يكفي أن تتفق الأمة العربية على رغبتها في التقدم والازدهار، ولا أن تتكرر الدعوات إلى الوحدة والتعاون والإصلاح، ما لم تتحول هذه التطلعات إلى مشروع واضح المعالم، يحدد الغايات، ويرسم المسارات، ويربط بين الأهداف والوسائل، ويضع الأسس التي يمكن من خلالها قياس التقدم وتصحيح الأخطاء. ومن هذه الحاجة تنطلق فكرة المشروع الحضاري النهضوي العربي، بوصفه إطارًا استراتيجيًّا شاملًا يستهدف بناء مستقبل عربي أكثر تقدمًا واستقلالًا وعدالة.
فما المقصود بهذا المشروع؟ وما الذي يجعله ضرورة تاريخية في المرحلة الراهنة؟ وكيف يمكن أن يسهم في تجاوز حالة التشتت إلى بناء قدرة عربية مشتركة؟
أولًا: ما ماهية المشروع الحضاري النهضوي العربي؟
المشروع الحضاري النهضوي العربي هو مشروع استراتيجي طويل المدى، يهدف إلى بناء أمة عربية متقدمة من خلال تطوير الإنسان والدولة والمؤسسات والاقتصاد والمعرفة والثقافة، وتعزيز التكامل بين الدول العربية، وصولًا إلى اتحاد عربي فدرالي حديث يقوم على الإرادة الحرة والتوافق الدستوري والمسار السلمي المتدرج.
ولا يقتصر المشروع على جانب واحد من جوانب الحياة العربية، بل يجمع بين أبعاد متعددة ومترابطة. فهو مشروع لبناء الإنسان، من خلال تطوير التعليم والمهارات والقدرات العلمية والفكرية والإنتاجية. وهو مشروع لبناء الدولة الحديثة، من خلال ترسيخ سيادة القانون وكفاءة المؤسسات والشفافية والمساءلة. وهو كذلك مشروع لتحقيق الاستقلال والسيادة، عبر تطوير القدرات الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية، وتقليل مواطن الاعتماد الخارجي في المجالات الحيوية.
وفي الوقت نفسه، يسعى المشروع إلى بناء اقتصاد عربي إنتاجي ومعرفي، وتحقيق تنمية مستدامة وعدالة اجتماعية، وتجديد الحضارة العربية بما يسمح لها بالإسهام في إنتاج المعرفة والتكنولوجيا والثقافة الإنسانية.
وبذلك، لا تكون النهضة مجرد نمو اقتصادي أو تغيير سياسي محدود، بل عملية شاملة تعيد بناء العلاقة بين الإنسان والمؤسسات والاقتصاد والمعرفة، وتفتح أمام المجتمعات العربية آفاقًا أوسع للتقدم والمشاركة في صناعة المستقبل.
ثانيًا: مشروع حضاري وليس برنامجًا سياسيًّا مؤقتًا
من الضروري التمييز بين المشروع الحضاري طويل المدى والبرامج الحكومية أو الحزبية المرتبطة بظروف سياسية محددة. فالحكومات تتغير، والبرامج التنفيذية تتبدل، لكن بناء الإنسان وتطوير التعليم والبحث العلمي وتحسين المؤسسات وتعزيز الإنتاج الوطني تحتاج إلى استمرارية تتجاوز الدورات السياسية القصيرة.
ولهذا لا يمثل المشروع الحضاري النهضوي العربي حزبًا سياسيًّا، ولا برنامجًا لحكومة مؤقتة، ولا دعوة إلى إلغاء الدول العربية القائمة. إنه إطار فكري واستراتيجي مفتوح يمكن أن تتبناه الدول والمؤسسات والجامعات ومراكز البحث والمجتمعات الراغبة في تطوير التعاون العربي، كل وفق إمكاناته وأولوياته وظروفه.
كما لا يفترض المشروع أن جميع الدول العربية متشابهة في أوضاعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، أو أن الحلول التي تناسب دولة بعينها تصلح بالضرورة لدولة أخرى. بل ينطلق من احترام خصوصية كل دولة، مع البحث عن المصالح المشتركة التي تسمح بتوسيع التعاون وتحقيق منافع متبادلة.
وتكمن أهمية هذا التصور في أنه يجعل العمل العربي المشترك عملية واقعية قابلة للتدرج، بدلًا من ربط النهضة بإعلان سياسي شامل قد يصعب تحقيقه في الظروف القائمة.
ثالثًا: لماذا أصبح المشروع ضرورة تاريخية؟
تتعدد الأسباب التي تجعل وجود رؤية عربية استراتيجية مشتركة أمرًا بالغ الأهمية.
أولها التحولات العالمية المتسارعة؛ إذ أصبحت المعرفة والبيانات والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة عناصر أساسية في تحديد قوة الدول وقدرتها على المنافسة. ولم يعد امتلاك الموارد الطبيعية وحده كافيًا لضمان المكانة الدولية أو الاستقلال الاقتصادي.
وثانيها التحديات المرتبطة بالأمن الغذائي والمائي والطاقي والدوائي. فهذه القضايا تتجاوز الحدود الوطنية في كثير من جوانبها، ويمكن للتعاون العربي المنظم أن يوسع فرص تبادل الخبرات، وتطوير المشروعات المشتركة، وتحسين إدارة الموارد.
وثالثها الحاجة إلى تنويع الاقتصادات العربية، وتطوير الصناعة والزراعة والخدمات المتقدمة، وتوفير فرص عمل منتجة، وربط الاستثمار بالمعرفة والابتكار. فالاعتماد المفرط على مصادر دخل محدودة يجعل الاقتصادات أكثر عرضة للتقلبات والأزمات.
أما السبب الرابع فيتمثل في التفاوت التنموي بين الدول والمناطق، وما يرتبط به من فجوات في التعليم والصحة والبنية التحتية وفرص العمل. وتتطلب معالجة هذه الفجوات سياسات وطنية فعالة، إلى جانب توسيع مجالات التعاون والاستثمار العربي المشترك.
ويضاف إلى ذلك تحدي بناء المؤسسات القادرة على التخطيط والتنفيذ والمساءلة، وضمان مشاركة المواطنين في الحياة العامة، وحماية الحقوق والكرامة الإنسانية. فالتنمية لا تستدام في غياب مؤسسات كفؤة وقواعد واضحة تحكم العمل العام.
رابعًا: من تجزئة الإمكانات إلى بناء القوة المشتركة
تمتلك الدول العربية موارد طبيعية وبشرية ومواقع جغرافية وقدرات اقتصادية وعلمية متنوعة، لكن الاستفادة منها تظل محدودة عندما تعمل هذه الإمكانات بصورة متفرقة، من دون تنسيق كافٍ في القطاعات الاستراتيجية.
ويستطيع التكامل أن يفتح مجالات واسعة أمام الأسواق العربية، ويزيد فرص الاستثمار، ويدعم التخصص الإنتاجي، ويخفض تكاليف بعض المشروعات الكبرى، ويوفر قاعدة أوسع للبحث العلمي والتطوير التكنولوجي.
