الحركة الوطنية الشعبية الليبية تهنئ لولا داسيلفا وتعتبر فوزه انتصارًا يتجاوز حدود البرازيل

متابعات: جمال الجازوي
وجهت الحركة الوطنية الشعبية الليبية برقية تهنئة وتضامن إلى الرئيس البرازيلي لويز إيناسيو لولا دا سيلفا، وإلى الشعب البرازيلي الصديق وقوى اليسار والتقدم في أمريكا اللاتينية، بمناسبة فوزه في الانتخابات الرئاسية، معتبرة أن هذا الانتصار يتجاوز حدود البرازيل، ويحمل دلالات سياسية مهمة لشعوب أمريكا اللاتينية والعالم، وللقوى المناهضة للإمبريالية والهيمنة والاستعمار.
وأكدت الحركة في برقيتها أن فوز لولا يعبر عن تمسك قطاعات واسعة من الشعب البرازيلي بخيار التقدم والعدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية، ويمثل مصدر إلهام لكل الشعوب التي ترفض الخضوع، وتتمسك بحقها في الحرية والكرامة والسيادة.
ودعت إلى تعزيز جسور الصداقة والتعاون بين الشعوب دفاعًا عن استقلال الدول وحقها في تقرير مصيرها، مختتمة برقيتها بالتأكيد على أن «إرادة الشعوب لا تُقهر»، وأن معركة الحرية والسيادة ستظل مفتوحة حتى تمتلك الشعوب حقها الكامل في تقرير مصيرها وصناعة مستقبلها.
البرازيل في قلب المواجهة بين اليسار واليمين المتطرف
انتهى قبل أيام “ماراثون” الانتخابات الرئاسية البرازيلية الذي كان بمثابة سردية متكاملة من الصراع بين قوى التطرف والظلم التي قادها اليمين المتطرف الفاشستي المهزوم بقيادة فلافيو بولسونارو ابن الرئيس السابق والسجين الحالي جاير بولسونارو وبدعم مالي دعائي استعماري استخدمت فيه كل الإمكانيات المالية والإعلامية والسيبرانية والرقمية بتحالف ترامب/ نتنياهو بهدف التأثير على العملية الانتخابية وإنجاح المتطرف الابن بولسونارو وتمرير المشروع الترامبي الصهيوني في البرازيل، ومنها إلى بقية بلدان القارة اللاتينية مهد الثورات وذلك بغية الإطاحة بآخر معاقل اليسار في “الحديقة الخلفية”!!
لكن إرادة الأحرار في البرازيل كانت لها بالمرصاد لتراهن على فوز ممثلهم، رئيسًا لقيم الحق والعدالة ممثلة في شخص المناضل لولا داسيلفا!
جاءت المنازلة الانتخابية في جولتين، الأولى تقدم فيها المتطرف بولسونارو على حساب لولا بنسبة 47 % مقابل 43% ليتقرر على إثرها إعادة النزال في جولة ثانية كانت يوم 25 أكتوبر الماضي التي فاز فيها لولا فوزًا مدويًّا بولاية رابعة رغم أنف ترامب ونتنياهو!! ويسقط مرشحهم سقوطًا مدويًّا، بل ويهرب مع عائلته عن طريق الحدود مع الأرجنتين، حيث يستقبله رئيسها الصهيوني ويوفر له طائرة تقله إلى الولايات المتحدة رغم حظر سفره من محكمة الجنايات في البرازيل ومصادرة جواز سفره بعد اعترافه بأنه صناعة ترامبية علاوة على تلقيه رشى وغسيل أموال لتزوير الانتخابات وإنجاحه!!
راهن ترامب والنتنياهو على الإطاحة بالرئيس الثمانيني لولا داسيلفا ودفن تيار الثورة وكذلك قيم العدل والحق ثم تكريس المشروع الاستعماري، تليها خطوات الهيمنة الكاملة على أمريكا اللاتينية ونقل سفارات بلدانها إلى القدس المحتلة!
انتصار يتجاوز حدود البرازيل
نعم فقد جاء هذا الانتصار بعد عدة انتكاسات مُنيَ بها تيار الثورة والتحرر في أمريكا الجنوبية، أرض سيمون بوليفار القائد الأسطوري الذي حرر أغلب بلدن أمريكا اللاتينية من ربقة الاستعمار الإسباني ووحدها تحت اسم “كولومبيا الكبرى” رفقة الجنرال سوكري من الإكوادور والجنرال ميراندا الفنزويلي الذي أذاق الاستعمار شر هزيمة وبقية أبطال التحرر، مرورًا بكل من ساندينو بطل التحرير من أمريكا الوسطى تحديدًا نيكاراغوا. وسالفادور اللندي في تشيلي، الجنرال بيرون في الأرجنتين، تشي جيفارا وفيدل كاسترو انتهاء ببطل الثورة هوغو تشافيس في فنزويلا، ودانيال أورتيغا في نيكاراغوا وتهديد من ترامب بالإطاحة به عسكريًّا!!، ثم تنصيب رئيسة يمينية في بيرو على حساب الإطاحة برئيس يساري من السكان الأصليين وتنصيب ابنة الرئيس اليميني السابق الياباني الأصل فوجيموري وهي بالطبع موالية لأمريكا، وتنصيب الصهيوني ميللي رئيسا للأرجنتين، وهو دمية في يد نتنياهو وترامب، وقد سارع بنقل سفارة بلاده إلى القدس المحتلة، كذلك المناضل ايفو مورالس في بوليفيا وتنصيب رئيس عميل، نفس الوضع في الإكوادور ثم المكسيك ولو أن الرئيسة الحالية اليهودية الأصل ذات اتجاه يساري موال للقضايا العادلة وغيرهم كثر!!
انتكاسات اليسار تفتح الطريق أمام عودة الأمل
اليسار في أمريكا اللاتينية أصيب بانتكاسات متوالية، سواءً بسبب من غيّبه الموت أو تمت الإطاحة به، كذلك إثارة النعرات العنصرية والتطرف كما حدث في كولومبيا وإقالة رئيسها المناضل غوستافو بيترو، أو تشيلي والإطاحة برئيسها الشاب المناصر لقضية فلسطين غابريل بوريك!
لم يكتف ترامب واليمين المتطرف بذلك، وإمعانًا في تنفيذ مخططاتهم قاموا باختطاف الرئيس الفنزويلي مادورو يوم 3 يناير 26 في عملية قرصنة إرهابية الغرض منها الترهيب وإسكات الصوت الحر الذي يمثله الزعيم تشافيز وانتقامًا لمواقفه المناصرة للحق والعدل وأولها قضية فلسطين.. ناهيك عن حصار كوبا منذ عشرات السنين!
لذا أصبحت جماهير أمريكا اللاتينية بحاجة ماسة للحفاظ على قلاع الثورة والتحرر، كما أصبحت تتوق إلى انتصار لولا داسيلفا في البرازيل تفاديًا للإطاحة بآخر آمالها ورموزها في الحرية والانعتاق!
لولا والبرازيل.. ثقل سياسي في مواجهة الهيمنة الأمريكية
تعد البرازيل من أكبر دول القارة وعند وصول لولا للرئاسة في ولايته الأولى بداية الألفية ورث بلدًا يعاني من الفساد والتبعية والرأسمالية واستطاع خلال فترة وجيزة من بناء مؤسسات قوية ورفع الناتح المحلي إلى أرقام غير مسبوقة، وبناء اقتصاد وطني قادر على المنافسة!! وخلال فترات رئاسته اللاحقة حتى خلال فترة الرئيسة ديلما المحسوبة على معسكره اليساري، استطاع لولا أيضا أن يعبر بالبرازيل إلى العالمية وتصبح عضوًا في نادي الكبار، بل وفاعلًا رئيسيًّا في مجموعة “البريكس”، وقد ازدادت مطالبه بإصلاح مجلس الأمن وزيادة أعضائه من أفريقيا وأمريكا اللاتينية، الأمر الذي أغضب واشنطن وسعت لمقاومته وإحباطه!
من جانبها.. كانت قيادات أمريكا اللاتينية الشابة تعتبر لولا داسيلفا بمثابة الأب الروحي لها وهو بدوره أعاد تنظيم صفوفها وتوحيدها واستبدل فكرة “الميركوسور” بفكرة بناء “اتحاد بلدان أمريكا اللاتينية” ومجلس الدفاع المشترك له أسوة ببقية الفضاءات الدولية الأخرى.
وقد لاقى انتصاره أصداء تفاؤل واسعة في بلدان القارة وبعث فيها روح المنافسة والتحدي!
وفي خطاب النصر توجه لولا لجمهوره بالتهنئة، وعلى الصعيد الدولي، أكد أن البرازيل “لا تقبل أن تكون تابعة لأحد ولا يمكن أن تكون حديقة خلفية” في رسالة موجهة إلى الولايات المتحدة ورئيسها دونالد ترامب، الداعم لبولسونارو والمعارضة.
وتطلعًا إلى ولايته المقبلة، وعد لولا بمشاركة أوسع للمواطنين. وصرح قائلًا: “سنغير أسلوب حكمنا، وسنجعل الشعب يشارك بشكل أكبر في صنع القرار. من الآن فصاعدًا، سأتواصل أكثر مع الشعب البرازيلي”. كما أشار إلى ضرورة “احترام أكبر للمرأة”. وإعادة روح العمل الجماعي التحرري في قارة أمريكا الجنوبية.
كما قال: “لقد قلبنا الطاولة يا برازيل!”. وأكد في رسالته أنهم صنعوا التاريخ “في الشوارع وفي صناديق الاقتراع”، مُضيفًا: “انتصرت الديمقراطية، وتعزز الأمل، والبرازيل تمضي قدمًا”.
وقد عبرت الرئيسة السابقة للأرجنتين كريستينا كيرشنر عن تهنئتها بفوز لولا برسالة استحضرت فيها تاريخًا رمزيًّا للبيرونية. وقالت: “أهنئ.. أولًا، الشعب البرازيلي الذي أجرى اليوم انتخابات حقيقية في 25 أكتوبر، ثم… أهنئك أنت، أيها الرفيق الرئيس لولا، الذي عرفتك في سابع انتخابات رئاسية لك كيف توقظ في أبناء وطنك وأبناء القارة الشعور والإرادة لكسب هذه المعركة”.
وجاءت نفس التهنئة والفرحة بفوزه في رسائل مماثلة من مورالس وأورتيغا.
عشرة رهانات خاسرة للمعسكر اليميني
لم يكن فوز لولا بمثابة هزيمة المرشح فلافيو بولسونارو فحسب، بل حقق أيضًا:
هزيمة دونالد ترامب والإطاحة بمشروعه الاستعماري.
هزيمة “إسرائيل” الساعية لتوسيع النفوذ الصهيوني في أمريكا اللاتينية وملاحقة رموزها المناصرين لقضية فلسطين.
هزيمة وسائل الإعلام المهيمنة التي راهنت على فوز النائب المتطرف بولسونارو لتمرير مشرعها الإمبريالي في القارة انطلاقًا من أكبر بلدانها البرازيل!
هزيمة فاريا ليما وكبار المستثمرين الماليين الذين ضخوا المال الفاسد دعمًا لليمين.
هزيمة جميع معاهد البحوث (باستثناء “فوكس برازيل” التي أشارت إلى فوز لولا ودعمت مشروعه الانتخابي.
هزيمة اليمين المتطرف برمته، وعائلة بولسونارو على وجه الخصوص، ما سيؤدي إلى تلاشي دورها كما نشير لاحقًا.
انهزام جميع الطوائف العنصرية وأذناب اليمين وفلوله في القارة وإحباط مشروعهم.
هزيمة ما يُسمى “الأعمال الزراعية” التجارية الاحتكارية التي راهنت بكل شيء على فلافيو بولسونارو.
تم إحباط مؤامرة انقلابية دبرها رؤساء بلديات وحكام ولايات وشركات طيران وحافلات مؤيدة لبولسونارو، سعوا لمنع ملايين الناخبين وعرقلتهم من الإدلاء بأصواتهم.
لقد هزم اليمين الساعي إلى تحويل أمريكا اللاتينية إلى “بهو خلفي” للبيت الأبيض وتحقيق نظرية ما يسمى “مبدأ مونرو” وخدمة المصالح الاستعمارية. تلك العقيدة الأمريكية المقيتة التي نصبت تاريخيًّا رموز العمالة والدكتاتوريات أمثال سوموزا وباتيستا وعصابات الكونترا وبينوشيه.
مستقبل البولسونارية على المحك
تُعدّ عائلة بولسونارو واحدة من العائلات المعروفة بالمال والفساد على غرار عائلة “روتشيلد” مثلًا قياسًا بالعائلات الفقيرة الكادحة التي ينحدر منها لولا داسيلفا!! وتعتبر هزيمة فلافيو بولسونارو ضربةً قاسيةً للعائلة وبقية أبنائها النافذين. فالحصانة البرلمانية التي سيفقدها السيناتور الهارب، الذي يفترض أنه لا يزال في منصبه حتى مطلع عام 2027، تُعقّد مسيرته السياسية بشكلٍ كبير. بينما شقيقه الأكبر إدواردو بولسونارو، المحكوم بالسجن لتورطه في تدبير سياسات دونالد ترامب ضد البرازيل، هاربٌ من العدالة في الولايات المتحدة.!! وقد طُرحت إمكانية العفو عن جاير بولسونارو، المسجون لمحاولته الانقلاب، خلال الحملة الانتخابية، لكن فوز لولا يجعل إطلاق سراحه بات أمرًا مستبعدًا، كذلك النائب المنتخب حديثًا كارلوس بولسونارو والسيناتور جاير رينان أصغر من أن يقودا حركة بولسونارية.. لذا يمكن لنا القول إن هذه العائلة الفاسدة انكشف فسادها وذهبت إلى غير رجعة، على الأقل في العقد القادم!
اتهامات بالتآمر واستدعاء التدخل الخارجي
تمت إدانة السيناتور فلافيو بولسونارو والنائب نيكولاس فيريرا بسبب دعوتهما إلى جريمة الانقلاب على النظام والإطاحة بمؤسسات الدولة الرسمية رغم أنهما ينتميان إلى السلطات البرازيلية الشرعية وقد أقسما يمين الولاء للوطن، غير أنهما حنثا وخانا!! ولم يكتفيا بذاك، بل اقترحا على الولايات المتحدة مهاجمة البلاد والتدخل عسكريًّا!!
شيء عجيب من الرغبة الجامحة لدى هؤلاء الأشخاص والخضوع لإرادة رئيس دولة أخرى معادية لبلادهم؟!
كل هذا وغيره كان سبب في فضح هؤلاء المسؤولين المناط. بهم أساسًا حماية استقلال وسيادة وديمقراطية جمهورية البرازيل!!؟
وهنا يجدر بنا التأكيد والتساؤل:
أليس كل ما سلف تعد أسبابًا كافية لدعم لولا وانتصاره باعتباره صمام أمن واستقرار لبلاده وبانتصاره بعث روحًا جديدة في نفوس الأحرار في العالم؟ ويحق لنا نحن أن نحب لولا داسيلفا؟!
