بعيدًا عن السياسة.. ماذا نريد؟

منيرة محمد
ماذا لو وضعنا السياسة جانبًا وأغلقنا نوافذ الجدل وتوقفنا قليلًا عن متابعة صراعات لا تنتهي وسألنا أنفسنا بصدق، ماذا نريد من هذه الحياة؟ ماذا بقي في داخلنا من أحلام لم تتحقق، وأمنيات أجَّلناها طويلًا، وحقوق أصبحنا نطالب بها وكأنها مطالب استثنائية، بينما هي في الحقيقة أبسط ما يستحقه الإنسان؟
ربما لا نريد الكثير كما يظن البعض، نريد فقط أن نعيش بسلام، أن نستيقظ دون أن يسبقنا القلق إلى صباحنا وأن نخطط للغد دون أن نخشى مفاجآته وأن نشعر بأن أعمارنا تمضي في الحياة، لا في انتظار أن تتحسن الظروف. نريد أن نرى أبناءنا يكبرون وهم يؤمنون بأن المستقبل يستحق أن نحلم به، لا أن يبحثوا عن فرصة للحياة بعيدًا عن وطنهم.
بعيدًا عن السياسة، لنتحدث عن الإنسان، عن المواطن الذي لا تعنيه أسماء الحكومات بقدر ما تعنيه جودة حياته ولا تشغله الشعارات بقدر ما يشغله أن يجد علاجًا حين يمرض وفرصة حين يعمل، وعدلًا حين يُظلم، وأملًا حين تضيق به الدنيا.
بعيدًا عن صراعات السياسة، وخلافات الأطراف، وتبدُّل الحكومات، وتضارب المصالح، يظل هناك سؤال يستحق أن نتوقف عنده قليلًا: ماذا نريد نحن، كمواطنين ليبيين، من هذه الحياة؟ وماذا ننتظر من وطن نملك فيه من الثروات والإمكانات ما يكفي لبناء مستقبل أفضل، لكننا ما زلنا نبحث فيه عن أبسط مقومات الاستقرار؟
نريد أن نعيش بكرامة وأن نشعر بالأمان وأن نخطط لأيامنا المقبلة دون خوف من مفاجآت تقلِب حياتنا رأسًا على عقب. نريد أن يحصل المريض على العلاج دون أن تتحول رحلة البحث عن الدواء إلى معاناة، وأن يجد الشاب فرصة عمل تحفظ له كرامته وتمنحه الأمل، وأن يتعلم أبناؤنا في مدارس وجامعات تؤهلهم للحياة، لا أن يقضوا سنواتهم في انتظار مستقبل لا يعرفون ملامحه.
نريد أن تكون قيمة الإنسان في علمه وعمله وأخلاقه، لا في منصبه أو علاقاته أو قدرته على الوصول إلى أصحاب النفوذ. نريد مجتمعًا يشعر فيه المواطن بأن حقوقه ليست منَّة من أحد، وأن القانون يحميه دون تمييز، وأن الاجتهاد طريق للنجاح، لا أن يصبح الإحباط نتيجة طبيعية لمن يحاول أن يشق طريقه بجهده وحده.
نريد أن نطمئن على أبنائنا، وأن نراهم يبنون حياتهم في وطنهم، بدل أن يصبح الرحيل حلمًا يراودهم كلما ضاقت بهم السبل. نريد أن تتوفر لهم فرص حقيقية، وأن يجدوا من يقدِّر قدراتهم، وأن يشعروا بأن هذا الوطن يحتاج إليهم، وأن مستقبلهم فيه ليس مجرد أمنية مؤجلة.
ونريد أيضًا أن نستعيد ما تآكل بيننا من ثقة ومودة. أن نختلف دون أن نتخاصم، وأن نتناقش دون أن نتبادل الاتهامات، وأن نمد أيدينا لبعضنا بدل أن ننتظر تعثر الآخرين. فقد أثقلت السنوات الماضية علاقات كثيرة، وخلَّفت جراحًا لا تعالجها الشعارات، وإنما تعالجها المواقف الصادقة، والعدل، والاعتراف بالخطأ، واحترام الإنسان.
لسنا بحاجة إلى حياة مثالية تخلو من المشكلات، فذلك غير ممكن، وإنما نحتاج إلى حياة يمكن التنبؤ بملامحها، ودولة تسير بمؤسسات مستقرة، وخدمات لا تتوقف، وفرص لا تُحتكر، وعدالة لا تتغير بتغير الأشخاص. نحتاج إلى أن يكون الغد أفضل من اليوم، وأن نشعر بأن السنوات التي نمضيها في العمل والصبر تترك أثرًا حقيقيًّا في حياتنا.
وربما يكون أهم ما نحتاج إليه هو أن نعيد النظر في مفهوم النجاح والسعادة. فليست السعادة في امتلاك المزيد دائمًا، ولا في الانتصار على الآخرين، وإنما في راحة البال، وصحة الأهل وطمأنينة الأبناء ووجود من نثق بهم، والقدرة على العيش دون أن نحمل كل يوم همِّ اليوم الذي يليه.
بعيدًا عن السياسة، نحن لا نطلب المستحيل، ولا نبحث عن امتيازات خاصة، بل عن حياة طبيعية تليق بالإنسان. نريد وطنًا لا يضطر أبناؤه إلى الاختيار بين كرامتهم واحتياجاتهم، ولا يشعر فيه كبار السن بأن سنوات عطائهم لم تضمن لهم الطمأنينة، ولا يفقد فيه الشباب إيمانهم بأن الاجتهاد يمكن أن يصنع مستقبلًا.
نريد أن نعيش، لا أن نظل طوال أعمارنا نحاول النجاة من الأزمات. نريد أن نفرح دون خوف، وأن نحلم دون أن نخجل من أحلامنا، وأن نطمئن إلى أن الغد يحمل فرصة جديدة، لا أزمة جديدة.
إذا كانت كل هذه السنوات قد علمتنا شيئًا، أفلا يستحق الإنسان أن يكون هو الغاية من كل ما يحدث، وأن تكون كرامته وراحته وأمنه ومستقبل أبنائه هي المعيار الحقيقي الذي نقيس به نجاح أي مرحلة؟
