مقالات الرأي

أساطير الهيمنة وحالة الوعي ـ الجزء الثاني



محمد عبدالقادر

إذا كانت الدوائر الرسمية في الغرب قد بدأت تلمس الكلفة السياسية والأخلاقية الباهظة للسياسات الإسرائيلية كما تظهر في التمايزات الطفيفة والمنضبطة لبعض التصريحات البريطانية الرسمية على حياء وتقييد بعض تراخيص التصدير العسكري فلماذا لم يُسحب الغطاء الغربي كاملًا؟ الإجابة تكمن في إعادة قراءة بنية صنع القرار في العالم المعاصر، حيث تحولت الديمقراطيات التمثيلية إلى نظام أوليغاركي (حكم القلة) يحكمه ما يسمى بـ “المجمع الصناعي – المالي – الإعلامي”.

إن الرهان على “صحوة أخلاقية” مفاجئة للمؤسسات الحاكمة يتجاهل حجم السطوة التي تمارسها شبكات الضغط الكبرى.

فعلى سبيل المثال، تشكل التبرعات الهائلة التي تقدمها شخصيات نافذة مثل ميريام أيدسون وبعد وفاته قامت زوجته في الحملة الانتخابية الثانية بتمويل ترامب (التي تضخ مئات ملايين الدولارات في الحملات الانتخابية الأمريكية، ودعمت حملة ترامب بمئات الملايين) رافعة ضغط حاسمة تفرض أجندات مفصلية كنقل السفارة الأمريكية إلى القدس.

هذا الارتباط العضوي بين المال السياسي واليمين الإنجيلي المتشدد وشبكات العلاقات العامة النافذة مثل (أيباك) يضمن بقاء أي مرشح مقيدًا بأجندة الدعم المطلق، بغض النظر عن تآكل شرعية الكيان الإسرائيلي دوليًّا.

ولا يقتصر الأمر على المال الانتخابي، بل يتكامل مع مصالح “المركب الصناعي العسكري” (الذي حذر منه الرئيس الأسبق دوايت أيزنهاور)، والمصارف الكبرى، شركات استثمار الطاقة.

بالنسبة لهذه الطبقة المهيمنة، ليست إسرائيل مجرد حليف سياسي عابر، بل هي “مختبر حي” لتجربة أسلحة الفناء، ومستهلك دائم لصفقات التسليح بمليارات الدولارات من موازنات البنتاغون، وموقع متقدم لضمان الهيمنة على شرايين التجارة ومقدرات الشرق الأوسط.

ولإدامة هذا التحالف، تتدخل مراكز الأبحاث الكبرى المُمولة بسخاء من ذات العمالقة لإنتاج “الحلول الجاهزة” وهندسة الوعي العام، عبر إلباس السياسات الإمبريالية ثوب “الضرورة الأمنية”، ومحاصرة أي صوت نقدي مستقل بالتهم الجاهزة كمعاداة السامية. إلا أن هذه الحصون الحديدية تقف اليوم على أرض زلزالية متحركة.

إن تفكك الشرعية الأخلاقية لإسرائيل المفترضة، وعزلتها الدولية المتصاعدة، واستنزافها البنيوي، وتصاعد الانقسامات الحادة داخل المجتمعات الغربية، كلها مؤشرات تؤكد أن المشروع الإسرائيلي دخل مرحلة الاحتضار الاستراتيجي.

لن يسقط هذا الكيان بقرار سياسي مفاجئ، بل تحت ضربات تناقضاته الداخلية المشتعلة، وحين تصبح كلفة حمايته على حساب دافع الضرائب الغربي أضعافًا مضاعفة لكل مكاسبه الوظيفية الوهمية.

إنها مسألة وقت ليس إلا، فالتاريخ لا يعود للوراء، والشمس لا يمكن حجبها بغربال المصالح والتحالفات الآفلة.

أما رؤية “إيلان بابي” المؤرخ الإسرائيلي البارز والمتمرد على الأيديولوجية الصهيونية والدوائر الرسمية الإسرائيلية وأحد المؤرخين الإسرائيليين الجدد وأستاذ التاريخ في جامعة إكستر البريطانية، الذي يتقاطع مع ميرشايمر، حيث يرى إيلان بابي أن المشروع الصهيوني التوسعي والمهيمن دخل مرحلة “الاحتضار الاستراتيجي” أو العد التنازلي لبنيته الحالية.

يجادل بابي في أطروحاته بأن إسرائيل تفقد شرعيتها الأخلاقيّة عالميًّا، وأن المشروع القائم على الاستعمار الاستيطاني والفصل العنصري لم يعد قابلًا للاستمرار في القرن الحادي والعشرين تحت ضغط التحولات الديموغرافية والأخلاقية العالمية، معتبرًا انهيار المشروع من الداخل مسألة وقت.

أما ستيفن والت أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد وزميل جون ميرشايمر في تأليف الكتاب الشهير “اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأمريكية”، فهو أيضًا يتقاطع مع ميرشايمر حيث يتفق تمامًا معه في أن استراتيجيات إسرائيل الإقليمية قادتها إلى العزلة وحتمت عليها الفشل الاستراتيجي طويل الأمد. ويرى والت أن الاعتماد على القوة العسكرية المفرطة حسب تعبيره وعدم الرغبة في التوصل إلى تسوية حقيقية يهددان مستقبل إسرائيل كدولة قادرة على العيش والاستقرار، ويجعلان الدعم الأمريكيلها عبئًا استراتيجيًّا متزايدًا لا خدمة للمصالح الأمريكية. وأجمع هؤلاء المفكرون الثلاثة على أن المشروع الصهيوني في حالة أفول قطعي ومؤكد وما هي إلا مسألة وقت فقط، فالمشروع أصبح حالة عبء كارثي لدول الغرب.

زر الذهاب إلى الأعلى