مقالات الرأي

هزيمة أمريكا في العراق



بقلم: عبد الله ميلاد المقري

يعيش الإعلام العربي المهزوم، وخصوصًا مؤسساته في دول الخليج العربي، مأزقًا حقيقيًّا بعدما راهنت قيادات هذه الدول على الوجود الأمريكي باعتباره ضمانة للحماية والأمن والاستقرار، بل سوَّقت الحرب الموجَّهة ضد إيران على أنها تصب في مصلحة دول المنطقة. غير أن هذا الرهان يكشف عجز القوة الأمريكية عن توفير الحماية التي وُعِد بها حلفاؤها.

ويجد الإعلام العربي نفسه في ورطة، إذ يلزم الصمت إزاء ما يعتبره هزيمة أمريكية وخسارة استراتيجية، بعد سنوات من الاحتلال الذي بدأ بالغزو الأمريكي للعراق في مارس 2003، بقيادة الرئيس جورج بوش، وما خلَّفه من كوارث طالت الشعب العراقي واقتصاده وتنميته ونسيجه الاجتماعي.

لقد قادت الولايات المتحدة تحالفًا عسكريًّا أسقط الدولة العراقية، وشارك أطراف عرب في دعم هذه الجريمة. ومهما حاول ترامب تقديم الانسحاب الأمريكي باعتباره إنجازًا، فإن ذلك لا يمحو الكلفة الباهظة للحروب، التي استنزفت تريليونات الدولارات وأزهقت أرواح آلاف الجنود، فضلًا عن الدمار الذي أصاب الشعوب المستهدفة. ويبقى معتقل أبو غريب شاهدًا على انتهاكات الاحتلال، ودليلًا على التناقض بين الشعارات الأمريكية بشأن حقوق الإنسان والديمقراطية والممارسات على أرض الواقع. إنها مفارقة النفاق السياسي العالمي، حين تُرفع رايات الحرية بينما تُنتهك أبسط حقوق الإنسان. تحية للشعب العراقي، الذي يستحق استعادة سيادته الوطنية والعيش بعيدًا عن الاحتلال والتدخلات الأجنبية.

ومن التجربتين العراقية والأفغانية، تتجدد قناعة الشعوب العربية بحقها في رفض الوجود الأجنبي، الأمريكي والإيطالي والتركي، والتمسك باستقلال قرارها الوطني.

وفي ليبيا، يظل الخطاب الوطني موجّهًا إلى المجلس الانتقالي الذي أعطى الضوء الأخضر لتدخل فرنسا وبريطانيا وأمريكا وشنِّ العدوان على ليبيا، وما ترتب عليه من إنتاج سلطة تابعة وفاسدة. وكما انتهت مراحل من الوجود العسكري الأمريكي في العراق وأفغانستان، فإن ليبيا ليست استثناءً من حق الشعوب في تقرير مصيرها. وستنهزم رهانات القوى الأجنبية أمام إرادة الليبيين متى توحدوا حول مشروع وطني مستقل، وسيغادر المحتلون ومعهم حلفاؤهم الذين ارتبطت مصالحهم باستمرار التدخل الخارجي.

إن التجارب العربية تؤكد أن الارتهان للقوى الأجنبية لا يصنع أمنًا ولا يحفظ سيادة، وأن مستقبل المنطقة لن يُبنى إلا بإرادة شعوبها، بعيدًا عن الهيمنة والتبعية، وبالتمسك بالاستقلال الوطني وحق الشعوب في اختيار مصيرها.

زر الذهاب إلى الأعلى