مقالات الرأي

من ثقافة الانكسار إلى إرادة التغيير



المهدي الفهري

إن العبور من ضفة الانكسار إلى ضفة الأمل والعمل والانطلاق من جديد يتطلب الإيمان بأن الضعف والعجز ليس قدرًا محتومًا، بل حالة يمكن تغييرها وتجاوزها متى توافرت الإرادة وصدقت المقاصد والنوايا واقترنت باليقظة والصبر الاستراتيجي والعمل الواعي كما يتطلب ذلك إعادة شحن المعنويات واستعادة الثقة بالنفس ورفع مستوى الوعي الجماعي وتعزيز اليقين بأن الحقيقة حتمًا ستأتي وتنتصر وتسود مهما واجهت من مصاعب ومهما صاحب ذلك من فساد وطغيان واستبداد، ويقتضي تحقيق ذلك -بكل تأكيد- وضع خطط واضحة على المستويات الفكرية والثقافية والإعلامية تقوم بدحض السرديات المضللة ومواجهة الخطابات التي تكرِّس ثقافة العجز والتشكيك في إمكانية الإصلاح، مع الاعتراف بمواطن الخلل والقصور والقدرة على معالجتها، كما يستدعي دعم ومراجعة أنماط التفكير السائدة وتطوير مقاربات قادرة على بناء عناصر القوة واستثمارها والانطلاق نحو المستقبل بعقلية المبادرة والفعل وبعيدًا عن الإذعان للشروط والضغوط التي تمس بالسيادة أو تحدُّ من استقلالية القرار.

وبين تهديدات متزايدة وأزمات لا نهاية لها وجنوح للاستثمار في مآسي الشعوب من قبل القوى المهيمنة فإن تبنِّي أي خطاب يكتفي بوصف الواقع ورصد اختلالات موازين القوة من دون البحث في إمكانات التغيير ومساراته قد يتجاوز حدود التشخيص الموضوعي ليتحول إلى عامل يغرس القنوط واليأس في نفوس الفئات الأضعف، وينعكس ذلك سلبًا على الوعي الجماعي، ويجعل الطرف الذي يعاني اختلالًا في موازين القوة أكثر قابلية للارتهان للأمر الواقع، وأكثر استعدادًا لتقديم مزيد من التنازلات، حتى وإن كانت على حساب مصالحه وحقوقه ومقدراته، ومن هنا تظهر أهمية الحاجة إلى وخزة إدراكية تحطم أوهام الانكسار، وتوقظ الإرادة، وتؤسس لرؤية علمية وموضوعية تحدد مواطن القوة والضعف وتكشف عوامل التأثير الكامنة لدى الأطراف الأخرى وتفهم أبعادها النفسية والحضارية والسياسية، فقراءة الواقع لا ينبغي أن تتوقف عند حدود الأرقام والمعطيات المادية، بل يجب أن تمتد إلى دراسة الإرادة الإنسانية والمقدرة على الصمود والتعرف على العوامل الاجتماعية والثقافية التي تؤثر في مسارات الصراع وتتأثر بوقائع التاريخ، وتُقر بأن التفوق المادي لا يعني بالضرورة تحقيق انتصار حاسم أو امتلاك قدرة مطلقة على إخضاع الآخرين، فالشعوب التي تمتلك إرادة المقاومة وتتمسك بحقوقها وخياراتها وتستثمر طاقاتها بصورة واعية ومنظمة تستطيع أن تعيد تشكيل موازين السلطة والنفوذ، وأن تحدَّ من قدرة القوة المادية على فرض إرادتها.

ومن جانب آخر فإن تصوير القوة الغاشمة لبعض الأطراف على أنها قوة لا تُقهر يحمل -في كثير من الأحيان- نغمًا من المبالغة والمغالاة التي قد تتعارض مع التحولات الراهنة وما أحدثته من تصدعات في الجدار النفسي والمعرفي الذي طالما أحاط نطاقه بصورة القوة المطلقة والمهيمنة، فالتجارب المتعاقبة والقريبة منا تؤكد في كل يوم أن فرض الهيمنة ليس قدرًا أبديًّا، وأن موازين القوة تظل قابلة للتحول مهما كانت قوتها، وحتى عندما تبدو الفجوة المادية بين الأطراف واسعة وعميقة، وتتجلى إحدى صورها أحيانًا في قدرتها على تجاوز السيطرة المادية المباشرة إلى الدور الفاعل في الوعي والثقافة والتصورات ومن خلال توظيف أدوات الهيمنة الثقافية وصناعة السرديات وتوجيه الإدراك الجمعي، وتستهدف عبر هذه الآليات في بعض الحالات جعل الشعوب الأقل قوة تتقبل واقعها باعتباره أمرًا طبيعيًّا لا سبيل إلى تغييره، وإلى ترسيخ صورة الطرف المهيمن بوصفه قوة استثنائية يستحيل تجاوزها أو الحد من نفوذها.

ويزداد تأثير هذه القوة عندما تتحول لدى الطرف الآخر إلى صورة ذهنية مخيفة تتجاوز حجمها الفعلي لتصبح أشبه بغول يستحيل التخلص منه بفعل الفارق المادي والتقني وما يصاحبه من تضخيم إعلامي ونفسي، وعندئذ لا يعود الخلل مقتصرًا على اختلال مقاييس القوة في الواقع فقط، بل يمتد إلى اختلال موازينها في الوعي والإدراك أيضًا، وهذا ما يستوجب استعادة القدرة على الفعل التي تبدأ بتحرير العقل من أسر الإفراط في تقدير قوة الآخر من دون الوقوع في المقابل في وهم التقليل من قدراته أو تجاهل معايير الواقع، فالمطلوب ليس إنكار الاختلالات القائمة، بل فهمها بدقة وتحديد مواطن الضعف والقوة وبناء استراتيجية طويلة الأمد تستند إلى المعرفة وتطوير القدرات واستثمار عناصر التأثير المتاحة، فالانتقال من ثقافة الانكسار إلى إرادة التغيير لا يتحقق بمجرد التفاؤل أو الشعارات، بل يتطلب وعيًا نقديًّا وإرادة صلبة وعملًا منظمًا ونفَسًا استراتيجيًّا طويلًا، والأمل الحقيقي ليس إنكارًا لصعوبة الواقع وإنما هو القدرة على قراءته من دون خضوع، والتعامل مع تحدياته بلا تهويل، والإيمان بأن اختلال موازين القوة لا يلغي إمكانية التغيير، وأن المستقبل لا تصنعه القوة وحدها، بل تصنعه أيضًا الإرادة والمعرفة وحسن إدارة الوسائل والإمكانات والتصميم على تجاوز ثقافة العجز والإصرار على رفض ثقافة الاستسلام.

زر الذهاب إلى الأعلى