مقالات الرأي

عزة النفس لا تستجدي حق الحياة


بقلم/ د – على المبروك أبوقرين

في حق ذاتك كن عزيز النفس مقولة تبدو في ظاهرها وصية أخلاقية تدعو الإنسان إلى صون كرامته، والاستعلاء على المهانة، وألا يجعل حاجته بابًا يُستذل منه أو تُنتقص به قيمته. لكنها حين تُسقط على واقع المرضى في ليبيا الدولة الريعية الغنية والغائبة عن إقامة نظام صحي عام يكفل للإنسان حقه في العلاج بكرامة وأمان، تتحول من حكمة تُواسي النفس إلى مرآة موجعة تكشف مأساة مجتمع يُطالَب فيه المريض بأن يكون عزيز النفس في الوقت الذي تُضيق فيه أمامه السبل التي تحفظ له هذه العزة. كيف يكون الإنسان عزيز النفس حين يداهمه المرض ولا يجد مستشفى عامًا يوفر له التشخيص والعلاج، ولا يجد الدواء المضمون ولا يطمئن إلى توافر سرير أو موعد أو خدمة يحتاج إليها في الوقت المناسب؟ كيف يحفظ كرامته حين يُدفع إلى القطاع الصحي الخاص مضطرًا وليس مختارًا، ويُطالب بدفع مبالغ مقدمة قد تفوق قدرته، وتُلقى أمامه تقديرات مالية باهظة لا يستطيع فهم مبرراتها أو مناقشتها، بينما الألم لا ينتظر والمرض لا يقبل التأجيل والوقت الذي يفترض أن يُنفق في العلاج يتحول إلى سباق مرهق لتدبير المال، إن حرية الاختيار لا تكون حقيقية حين يُحاصر الإنسان بين خدمة عامة غائبة وخدمة خاصة لا يقدر على تكلفتها فذلك ليس اختيارًا وإنما اضطرار يتخفى خلف أبواب السوق. وتزداد المأساة حين يصبح العلاج رحلة من التنازلات التي تجرح النفس في كل محطة. مريض يبحث عن واسطة وآخر يتردد على مكاتب المسؤولين، وثالث يكتب مناشدة علنية يستعطف بها أصحاب القرار ورابع ينتظر تحويلًا أو تفويضًا للعلاج في الخارج، وخامس يطرق أبواب الأقارب والأصدقاء وسادس ينتظر ما تجود به الجمعيات الخيرية وأهل الخير. ومنهم من يستدين، ومنهم من يبيع ما يملك، ومنهم من يستهلك مدخرات العمر، ومنهم من يرضخ لخدمة رديئة أو دواء لا يطمئن إلى جودته ومصدره، ومنهم من يؤجل العلاج حتى تتفاقم علته، ومنهم من يستسلم للمرض لأنه لم يعد يملك ثمن مقاومته. أي عزة نفس يمكن أن تبقى سليمة تحت هذا الثقل وأي كرامة لا تنال منها الحاجة حين يضطر الإنسان إلى كشف أوجاعه وخصوصياته وعرض فقره أمام الآخرين، وتكرار شرح مأساته وانتظار أن يرق قلب أحدهم أو تسمح له مكانته بالتدخل، إن المهانة هنا لا تصدر بالضرورة عن شخص يتعمد الإذلال فقد تنشأ من نظام يجعل الحق متعذرًا، ويترك صاحبه يتنقل بين أبواب الاستثناء حتى يصبح الحصول على العلاج متعلقًا بمن يعرف، ومن يستطيع الدفع، ومن يملك النفوذ، ومن يحظى بالتفاتة مسؤول أو مساعدة متبرع. والمفارقة الأكثر إيلامًا أن يحدث ذلك في دولة ريعية تمتلك من الثروات ما يفترض أن يجعل حماية صحة الإنسان من أهم أولوياتها السيادية، وأن يحول عائدات النفط والغاز إلى مستشفيات مؤهلة وأدوية مأمونة وكوادر كفؤة وخدمات متاحة وعادلة. فالفقر الصحي في بلد غني ليس مجرد نقص في الإمكانات وإنما سؤال عن كيفية إدارة الثروة وعن ترتيب الأولويات، وعن معنى الدولة ومسؤوليتها تجاه الإنسان. وحين تتفاوت فرص النجاة بحسب القدرة المالية والمكانة الاجتماعية، تنشأ طبقية صحية قاسية ومقززة، قلة تتفاخر بمستشفيات القطاع الخاص أو بالسفر للعلاج في الخارج على نفقة الدولة أو بفضل ما تتيحه المناصب والامتيازات، فيما تكافح أغلبية واسعة لتأمين أبسط احتياجاتها العلاجية. وهكذا لا يعود المرض وحده هو ما يهدد الإنسان، وإنما يصبح موقعه الاجتماعي وقدرته على الدفع عاملين في تحديد فرصته في الحصول على الرعاية. وليس في الاستعانة بالأهل والأصدقاء، ولا في التكافل الاجتماعي، ولا في قبول المساعدة الإنسانية ما ينتقص من كرامة الإنسان في ذاته، فالتراحم من أرفع القيم، والتضامن من أجمل خصائص المجتمعات الحية. إنما المأساة حين يتحول التكافل من فضيلة اجتماعية اختيارية إلى بديل اضطراري عن واجب مؤسسي، وحين يُترك مصير المريض لمقدار ما يستطيع جمعه من التبرعات أو لما تتيحه له شبكة علاقاته أو لما يملكه من أصول قابلة للبيع. فالحق الذي يتوقف على سخاء الآخرين لا يعود حقًا مضمونًا، والمواطنة التي تحتاج إلى توصية كي تحصل على العلاج تفقد معناها. إن عزة النفس لا تعني أن يكتم المريض ألمه، أو يخجل من فقره، أو يمتنع عن طلب النجدة حين تضيق به السبل. ولا يجوز أن تتحول هذه الحكمة إلى عبء أخلاقي إضافي يُحمل للضعفاء وكأن عليهم أن يتحملوا المرض والحرمان ثم يلاموا إذا أرهقتهم الحاجة أو انكسرت معنوياتهم. عزة النفس ليست أن يواجه الإنسان وحده ما لا يستطيع مواجهته، وليست أن يرفض المساعدة حتى يهلك وإنما أن يعيش في مجتمع لا يضطره إلى التسول من أجل حقه ولا يساومه على كرامته مقابل نجاته. ومن الظلم أن نطالب المريض بأن يكون قويًا في مواجهة مرضه، ثم نتركه ضعيفًا أمام مؤسسة غائبة وسوق لا ترحم محدودي الدخل. إن المقولة الأجدر بالتأمل ليست فقط في حق ذاتك كن عزيز النفس وإنما أيضًا لا تجعلوا الإنسان يستجدي حقه كي يبقى على قيد الحياة. فكرامة المريض مسؤولية مشتركة لكنها مسؤولية الدولة أولًا في بناء نظام صحي عام متكامل وممول من ثروات البلاد، يضمن للمواطن العلاج والدواء والتشخيص والرعاية دون أن يجعل قدرته المالية شرطًا للنجاة. وهي مسؤولية المؤسسات في احترام الإنسان، ومسؤولية المجتمع في التضامن معه، ومسؤولية كل صاحب قرار في إدراك أن الخدمة الصحية ليست منحة يمنحها المسؤول متى شاء وإنما حق تحميه الدولة وتلتزم بضمانه. إن أشد ما يؤلم المريض ليس وجع الجسد وحده وإنما أن يجد نفسه مضطرًا إلى الاختيار بين صحته وكرامته، وبين العلاج ومدخرات أسرته، وبين الاستدانة وترك المرض يتقدم، وبين مناشدة الآخرين والصمت عن الألم. وقد يحتمل الإنسان المرض بأمل والجراحة بشجاعة والعلاج بصبر لكنه يصعب عليه أن يحتمل شعورًا بأن حياته أصبحت عبئًا ماليًا على أسرته وأن نجاته مرهونة بعطف الآخرين وأن حقه في وطن غني لا يكفي لضمان علاجه. في حق ذاتك كن عزيز النفس نعم لكن من حقك أيضًا أن تعيش في دولة لا تضطرك إلى جرح عزة نفسك كي تتعالج. دولة لا تُحدد فيها قيمة الإنسان بما يملك، ولا تتحدد فيها فرص النجاة بما يدفع، ولا يصبح فيها السفر للعلاج امتيازًا والدواء أمنية والمستشفى العام بابًا موصدًا والمناشدة طريقًا إلى الحق. فالصحة ليست سلعة والمرض ليس فرصة للاستغلال، وعلاج الإنسان ليس مكرمة من مسؤول ولا صدقة من محسن. إنه حق إنساني أصيل ومسؤولية وطنية وأمانة في أعناق من يديرون ثروة البلاد. وإذا كانت عزة النفس أن يرفض الإنسان المهانة، فإن عزة الدولة أن تصون كرامة مواطنيها، وألا تترك مريضًا يبيع ممتلكاته أو يستدين أو يستجدي كي يحصل على علاج كان ينبغي أن يجده حقًا مصونًا. وما أقسى أن يمرض الإنسان فيخاف على حياته، ثم يخاف فوق ذلك على كرامته وما أشد مرارة أن تكون البلاد غنية بثرواتها فيما يُترك أبناؤها فقراء أمام المرض. تلك هي المأساة التي تستحق أن توقظ الضمائر ليس لأن المريض فقد عزة نفسه وإنما لأن الواقع سلبه كثيرًا من الشروط التي تمكنه من الاحتفاظ بها.

زر الذهاب إلى الأعلى