مقالات الرأي

السقوط الاستراتيجي.. هل انتهى المشروع الصهيوني؟



الجزء الأول

بقلم/ محمد عبدالقادر

يعترف عامي إيلون رئيس الشاباك في الفترة ما بين (1996 إلى 2000م) في لقاء مع منصة رامبل الإخبارية الكندية في تحذيرات استراتيجية غير معتادة من شخصية أمنية إسرائيلية رفيعة تولى قيادة مناصب متعددة من قيادة البحرية الإسرائيلية إلى مسؤوليات أمنية وسياسة “أن إسرائيل تخسر الحرب، وأن البحث في الأبعاد الأعمق في هذه الهزيمة تقول بأن إسرائيل تسير نحو نهاية المشروع الصهيوني”.

وحين وقف العالم ليراقب التحولات الكبرى التي هزت أركان الشرق الأوسط بعد السابع من أكتوبر 2023 في انتفاضة غزة المسلحة، لم يكن ما يجري مجرد جولة عسكرية عابرة في صراع مديد، بل كان إيذانًا بسقوط مدوٍّ لواحدة من أخطر المشاريع الجيوسياسية في العصر الحديث: مشروع “إسرائيل الكبرى”، فقد أثبت الفلسطينيون في قطاع غزة والضفة الغربية تمسكهم الجذري بأرضهم، وسقطت خيارات التهجير القسري “الترانسفير” أمام وعي عالمي ورفض دولي مانع.

وكما يقرر نخبة من أبرز المفكرين الأحرار في العالم – على رأسهم العالم السياسي الأمريكي البارز جون ميرشايمر (أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو وأبرز أقطاب الواقعية الهجومية)، والمفكر نعام تشومسكي – فإن الكيان الصهيوني بات محاصرًا بمأزق تاريخي عاجز عن الخروج منه.

ونحن نورد رؤية هؤلاء ومن بينهم إسرائيليون منهم المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابي، الذين يستشرفون نهاية المشروع الوظيفي الصهيوني وعامي إيلون الذي افتتحنا به المقال وغيرهم كثر تتجسد أولى معالم هذا السقوط الهيكلي في استحالة إنجاز حلم “التطهير العرقي” الكامل والسيطرة على الأراضي الممتدة من النهر إلى البحر.

فعلى الرغم من آثار الدمار والتشريد الواسع الذي رافق هذا المشروع الشيطاني الذي ولد في رحم حزب المحافظين البريطاني وتبنته الدولة في عام 1907 فيما سمى وثيقة كامبل رئيس الحكومة البريطانية عن حزب الأحرار حين ذاك وشاركت فيه خمس دول أوروبية وكان خلاصتها إنشاء كيان غريب عن المنطقة الفاصلة بين قارتي أفريقيا وأسيا والتي تسمى فلسطين ولتنفيذه جرى ربطه بالرؤية التوراتية (شعب الله المختار) التي ستكون غطاء دينيًّا لهذا الكيان الوظيفي الذي زرع ليخدم الغرب الأوروبي وبريطانيا خصوصًا.

 هذا الثبات الديموغرافي الفلسطيني -رغم الدمار وجهود الاقتلاع- وضع إسرائيل وجهًا لوجه أمام حتمية “الدولة الواحدة” بنظام الفصل العنصري الصريح (الأبارتهايد)، وهو ما ينسف كليًّا أطروحتها التاريخية كدولة ديمقراطية يهودية.

إضافة إلى ذلك، تكشف القراءة الواقعية لسياسات حكومة اليمين المتطرف في تل أبيب (بقيادة بنيامين نتنياهو وأقطاب الصهيونية الدينية مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش) عن غياب تام لأي رؤية سياسية أو مراجعة عقلانية لحجم الكارثة الاستراتيجية.

فالجيش الإسرائيلي، الذي طالما تغنى بقدرته على “الحسم السريع”، ضاع اليوم في مستنقع حروب الاستنزاف الطويلة في غزة ولبنان، وعجز تمامًا عن القضاء على حركات المقاومة أو ردع الإقليم.

هذا العجز العسكري المقترن بالتوحش المفرط لم يستنزف قوة الردع فحسب، بل حوّل إسرائيل في عيون أجيال جديدة في الغرب إلى “سلعة سياسية وأخلاقية يصعب بيعها”.

وهنا يبرز التبدل النوعي العميق في الرأي العام داخل الولايات المتحدة وبريطانيا على وجه الخصوص وهما صانعا هذا الكيان الوظيفي.

لقد تحطَّم الاحتكار الإعلامي التقليدي للرواية الصهيونية تحت ضربات المنصات الرقمية ومقاطع الفيديو الحية التي وثَّقت حجم الإبادة وتجويع السكان مباشرة إلى هواتف الشباب. وبدلًا من سردية “الضحية الصغيرة المحاطة بالأعداء”، بات الجيل الجديد (Gen Z) وقواعد الحزب الديمقراطي واليسار البريطاني ينظرون إلى إسرائيل باعتبارها قوة استعمارية عنصرية.

هذا التآكل الأخلاقي أوجد فجوة غير مسبوقة بين الدعم السياسي الأعمى الذي تقدمه الإدارات الرسمية، وبين الوعي الشعبي المتنامي الذي يرى في استمرار هذا الدعم عبئًا استراتيجيًّا وقانونيًّا يورط الدول الغربية في جرائم كبرى وسيكون لتنامي هذا المد الشعبي النوعي في الجامعات البريطانية والأوربية عمومًا وفي الجامعات الأمريكية التي كانت حصنًا حصينًا للصهيونية بفضل قوى الضغط الصهيوني والدعم المالي المتدفق دومًا في خدمة الصهيونية دور كبير في رسم سياسات المستقبل ودور الرأي العام الذي أصبح يعي الحقيقة بعد انتشار الإعلام الشعبي المنفلت من قبضة الصهيونية.

زر الذهاب إلى الأعلى