مقالات الرأي

على الحدود.. حين تلاحمت المقاومة التونسية والليبية – الجزء الأول


بقلم: محمد نبيغ

لم تكن الحدود بين تونس وليبيا، يوم كانت رايات الاستعمار ترفرف فوق البلدين، تعني كثيرًا لمن عاشوا على الأرض. كانت الخريطة تقول: هنا تونس، وهناك ليبيا؛ لكن الجبل والصحراء والمصاهرة والتجارة والروابط الاجتماعية كانت تقول شيئًا آخر: هذه أرض متصلة، وهذا شعب لم يتعلم أن يفصل بينه خطٌّ على ورق.

وحين اشتعلت المقاومة الوطنية الليبية ضد الاستعمار الإيطالي، لم تبقَ نارها محصورة في المجال الليبي، وحين واجهت المقاومة الوطنية التونسية الاستعمار الفرنسي في الجنوب، لم تكن معزولة عن محيطها.

في المجال الممتد من جبل نفوسة ونالوت إلى ذهيبة ورمادة وأم الصويغ، ظهرت خلال الحرب العالمية الأولى صفحة مهمة من تاريخ المقاومة: تلاحم ميداني بين المقاومة الوطنية التونسية والمقاومة الوطنية الليبية، فرضته الجغرافيا والروابط البشرية وتشابك المصالح، في مواجهة الاستعمارين الفرنسي والإيطالي.

وهذا التلاحم لا يعني وجود جيش تونسي ليبي موحَّد أو قيادة عسكرية مشتركة؛ فلكل مقاومة قياداتها ومساراتها. وإنما يعني ذلك التداخل الذي فرضته الحدود المفتوحة اجتماعيًّا وجغرافيًّا: حركة رجال وسلاح ومعلومات، وتوفير الملاذ والدعم، وتقاطع العمليات، وتحول المجال الحدودي إلى فضاء مشترك للمواجهة.

لقد رسم الاستعمار حدودًا على الخريطة، لكن المقاومة تحركت في فضاء أوسع من تلك الحدود.

1915: الجنوب التونسي يدخل دائرة النار: كان عام 1915 نقطة تحول. فبعد تراجع القوات الإيطالية عن عدد من مواقعها في طرابلس الغرب، تصاعدت المقاومة الوطنية الليبية بقيادة خليفة بن عسكر، واقتربت عملياتها من المجال الحدودي التونسي والمواقع الفرنسية في أقصى الجنوب.

وفي سبتمبر اندلعت مواجهات أوزّن–ذهيبة. تحركت القوات الفرنسية لملاحقة المقاومة، لكنها اصطدمت بقوة قادرة على المناورة والانسحاب والعودة إلى الهجوم.

وتشير إحدى الشهادات العسكرية إلى مقتل نحو 20 جنديًّا من الفيلق الخامس للمشاة الخفيفة الإفريقية بعد وقوعهم في الأسر. غير أن هذا الرقم يتعلق بحادثة محددة، ولا يمثل حصيلة المعارك كلها.

لكن الرسالة كانت قد وصلت إلى الفرنسيين: الحدود لم تعد خطَّ حماية، بل أصبحت جبهة حرب.

بئر رمثة: حين أصبح الماء هدفًا عسكريًّا:

في 25 سبتمبر 1915 تعرضت قوة من الفوج الإقليمي الفرنسي 126 لكمين عند بئر رمثة.

كان القتال في أرض قاسية، تحت حرارة شديدة، وفي منطقة كان فيها الماء يساوي القدرة على البقاء.

استمر الاشتباك أكثر من يوم قبل وصول النجدة، وسجلت المصادر المرتبطة بالوحدة الفرنسية 14 قتيلًا وعددًا من الجرحى.

لم تكن بئر رمثة مجرد مواجهة عابرة. ففي حرب الصحراء، كان من يملك البئر يملك القدرة على الحركة، ومن يفقده قد يفقد المعركة قبل أن تبدأ.

ولهذا أصبحت الآبار والمواقع المائية جزءًا أساسيًّا من خريطة الحرب، وأحد مفاتيح الصراع بين القوات الاستعمارية والمقاومة.

أم الصويغ: ثمانية أيام تغيِّر الحسابات: ثم جاءت أم الصويغ. في 2 أكتوبر 1915 هاجمت قوة كبيرة الموقع الفرنسي، وتورد المصادر تقديرًا يقارب 3000 مقاتل. وتفيد الروايات المتاحة بأن القوة المهاجمة ارتبطت بالمقاومة الوطنية الليبية، وتداخلت معها عناصر من المجال التونسي الحدودي.

وهنا ظهر التلاحم بصورة أوضح، لا باعتباره جيشًا واحدًا، وإنما باعتباره تداخلًا ميدانيًّا بين مقاومة تتحرك من المجال الليبي وبيئة تونسية جنوبية تعيش على تماس مباشر معها.

كانت الحامية الفرنسية محاصرة، وأصبح سقوط الموقع احتمالًا حقيقيًّا.

من ذهيبة خرجت قوة نجدة بقيادة القائد لامبير. تحرك فرسان ومشاة وسط منطقة مفتوحة، ودخلوا في اشتباكات عنيفة مع القوة المهاجمة.

وسقط الملازم لو كات، وأصيب عدد من الجنود، وسجلت الوحدة الفرنسية خسائر أخرى في الرجال والخيول.

استمر الحصار حتى 9 أكتوبر قبل أن تنجح القوات الفرنسية في فكّه.

لكن أم الصويغ كشفت شيئًا أخطر من خسارة موقع أو استعادته: أن المقاومة في هذا المجال الحدودي أصبحت قادرة على جمع قوة كبيرة، ومحاصرة موقع فرنسي، وفرض معركة إغاثة على جيش استعماري يمتلك التفوق في السلاح والتنظيم.

أما خسائر المقاومة الوطنية التونسية والمقاومة الوطنية الليبية، فلا تتوافر لها حصيلة نهائية موثوقة تفصل بين الطرفين.

والتاريخ الجاد لا يحتاج إلى أرقام مصطنعة حتى ينصف أصحابه.

زر الذهاب إلى الأعلى