مقالات الرأي

الجامعة ليست ملكًا لأحد



بقلم / يوسف امحمد الشريف

ليست المشكلة في أن يختلف الأستاذ الجامعي مع طالب الدراسات العليا، فالاختلاف جزء أساسي من الحياة العلمية، ولا في أن يرفض فكرة بحثية أو يطلب تعديلات جوهرية على رسالة ماجستير أو أطروحة دكتوراه، فهذه مسؤوليات أصيلة في الإشراف الأكاديمي. إنما تبدأ المشكلة الحقيقية عندما تتحول السلطة العلمية إلى وسيلة لفرض الهيمنة، وعندما يشعر الطالب أن الطريق إلى مستقبله لا تحدده كفاءته واجتهاده، وإنما مدى قبوله لدى بعض الأشخاص الذين يملكون تأثيرًا على مسيرته الجامعية وفي بعض البيئات الأكاديمية الليبية، يعبِّر طلبة الدراسات العليا عن مخاوف تتعلق بصعوبة التواصل مع بعض الأساتذة، أو غياب التوجيه المنتظم، أو عدم وضوح المعايير التي تُتخذ على أساسها بعض القرارات.

وقد تكون وراء هذه التجارب أسباب إدارية أو ضعف في تنظيم البرامج أو ضغط في أعباء التدريس والإشراف، لكن من بين الاحتمالات التي تستحق النقاش أيضًا وجود نظرة أنانية لدى بعض الأفراد، تجعلهم يتعاملون مع الباحث الشاب بوصفه منافسًا محتملًا بدلًا من اعتباره إضافة إلى المؤسسة العلمية، وإن الحصول على الماجستير ثم الدكتوراه يمثل انتقالًا مهمًّا في حياة الباحث، إذ يفتح أمامه مجالات أوسع للتدريس والبحث والمشاركة في المؤتمرات والمشروعات العلمية. ومن الطبيعي أن يتطلع كثير من الطلبة إلى العمل الأكاديمي بعد التخرج، خصوصًا أولئك الذين يملكون القدرة على البحث والكتابة والتدريس.

غير أن هذا الطموح قد يثير لدى بعض الأفراد قلقًا غير مبرر، خاصة عندما يتصورون أن الطالب الذي يشرفون عليه اليوم قد يصبح زميلًا لهم غدًا، أو قد ينافسهم على وظيفة أو مسؤولية أو فرصة مهنية، وهنا تظهر عقلية ترى في الجامعة مساحة محدودة ينبغي المحافظة عليها لمجموعة بعينها، لا مؤسسة تتجدد بتجدد المعرفة والأجيال. وقد تدفع هذه العقلية بعض أصحابها إلى عدم تشجيع الطلبة على تطوير مهاراتهم، أو التقليل من إنجازاتهم، أو التشدد معهم بطريقة لا تستند إلى معيار علمي ثابت، أو التعامل بحساسية مع استقلالهم الفكري. لكن لا يمكن الجزم بأن كل تأخير أو رفض أو نقد حاد دليل على الأنانية؛ فالحكم العادل يتطلب النظر في الوقائع والإجراءات والمعايير المطبقة، لا الاكتفاء بالانطباعات الشخصية، وإن الأستاذ الجامعي الذي يتمتع بثقة حقيقية في قدراته لا يحتاج إلى إضعاف طالب حتى يحافظ على مكانته. فقيمته تتجسد في علمه وإنتاجه البحثي ونزاهته وقدرته على التأثير الإيجابي في الآخرين.

أما المكانة التي تقوم على منع المنافسة، فإنها تظل هشة، لأنها تستند إلى بقاء الآخرين في مواقع أقل، بدلًا من أن تستند إلى التطور المستمر والإنجاز المتجدد، ومن المؤسف أن الطالب الذي يقضي سنوات في الدراسة والتحضير للبحوث قد يفقد الحماس عندما يشعر بأن مجهوده لا يجد التقدير العادل. وقد يؤدي ذلك إلى تأخر إنجازه، أو التفكير في ترك الدراسات العليا، أو البحث عن بيئة أكاديمية أخرى يستطيع فيها تطوير إمكاناته. والخسارة هنا لا تصيب الطالب وحده؛ فالجامعة تخسر باحثًا محتملًا، والمجتمع يخسر كفاءة كان يمكن أن تسهم في معالجة مشكلاته، وتضعف الثقة في قدرة مؤسساته التعليمية على توفير فرص عادلة وتزداد أهمية هذه المسألة في ليبيا، حيث تحتاج الجامعات والأكاديميات إلى تطوير البحث العلمي، وتوسيع قاعدة الكفاءات الوطنية، وربط الدراسات العليا باحتياجات المجتمع في مجالات البيئة والطاقة والصحة والتخطيط العمراني والاقتصاد والعلوم الإنسانية.

ولا يمكن تحقيق ذلك من خلال بيئة يشعر فيها الباحث الشاب بأنه مطالب بإثبات استحقاقه للتعلم في كل خطوة، أو بأنه ينبغي أن يخفي طموحه حتى لا يزعج من هم أعلى منه مرتبة، ولمعالجة هذه الإشكالية، لا يكفي توجيه اللوم إلى الأفراد؛ بل ينبغي تطوير أنظمة مؤسسية تقلل من فرص التعسف وتضمن المساءلة. ويشمل ذلك وضع معايير معلنة لاختيار المشرفين، وتحديد واجباتهم تجاه الطلبة، وتنظيم مواعيد مراجعة الأبحاث، وتوضيح إجراءات تغيير المشرف عند الضرورة، وتوفير لجان محايدة للنظر في الشكاوى الأكاديمية. كما يمكن للجامعات إجراء تقييمات دورية لبرامج الدراسات العليا، مع المحافظة على سرية المعلومات وضمان عدم الانتقام من الطلبة الذين يعبِّرون عن مخاوفهم بصورة مسؤولة، ويجب كذلك ترسيخ ثقافة أكاديمية لا تجعل الأستاذية امتيازًا اجتماعيًّا أو سلطة غير قابلة للمراجعة، بل مسؤولية ترتبط بخدمة المعرفة والطلاب والمؤسسة. وفي الوقت نفسه، ينبغي تأكيد حقوق أعضاء هيئة التدريس، واحترام خبراتهم، وحماية قراراتهم العلمية من الضغوط غير المشروعة. فالعدالة لا تعني التساهل في متطلبات البحث، وإنما تعني أن تكون الصرامة العلمية منضبطة بمعايير موضوعية، وأن تتاح للطالب فرصة حقيقية لفهم الملاحظات والرد عليها وتحسين عمله.

أما الطلبة، فعليهم بناء شخصيات علمية مستقلة، والالتزام بالأمانة البحثية، وتوثيق أعمالهم ومراسلاتهم الأكاديمية، والتعامل مع الخلافات عبر القنوات الرسمية. فالمستقبل العلمي لا يُبنى بالصدام المستمر، كما لا يُبنى بالصمت عن التجاوزات، وإنما بالتوازن بين احترام الأستاذ والدفاع عن الحق في تعليم منصف.

إن الجامعة ليست ملكًا لأستاذ أو قسم أو مجموعة محددة، ولا ينبغي أن يتحول المنصب الأكاديمي إلى حاجز يمنع الآخرين من الوصول إلى المعرفة والفرص. فالأستاذ لن يبقى في موقعه إلى الأبد، والطالب لن يظل طالبًا طوال حياته، والأجيال تتعاقب بطبيعتها. وقد يصبح طالب اليوم دكتور الغد، ويصبح زميلًا لمن علمه، وربما يتفوق عليه في مجال معين، وهذا ليس عيبًا في الأستاذ، بل احتمال طبيعي في مسيرة العلم.

ويبقى المعيار الأهم هو السؤال الآتي: هل نريد جامعات تنتج أجيالًا جديدة من الباحثين القادرين على الإبداع، أم نريد مؤسسات تخشى نمو طلابها؟ إن مستقبل التعليم العالي في ليبيا يتطلب الانتقال من عقلية الاحتفاظ بالمكانة إلى عقلية بناء الكفاءات، ومن منطق المنافسة الشخصية إلى ثقافة التعاون العلمي. فالأستاذ الحقيقي لا يخشى أن يأخذ طالبه مكانه يومًا ما؛ لأنه يعلم أن أثره لا يقاس بعدد السنوات التي احتفظ فيها بمنصبه، بل بعدد العقول التي ساعدها على أن تفكر وتنجح وتضيف شيئًا نافعًا إلى الوطن.

زر الذهاب إلى الأعلى