ملفات وتقارير

إحاطات أممية متكررة.. والانقسام ما زال مستمرًّا



تقرير – سيد العبيدي

“لا تزال الانقسامات السياسية والمؤسسية تلقي بظلالها على مستقبل البلاد، في ظل استمرار الخلاف بين مجلسي النواب والدولة بشأن المسار الانتخابي، وتباين المواقف حول آليات توحيد مؤسسات الدولة”. هذا ملخص من كلمة مبعوثة الأمم المتحدة هانا تيتيه خلال إحاطتها الأربعاء أمام مجلس الأمن حول تطورات الأوضاع في ليبيا.

يأتي ذلك في وقت تقول بعثة الأمم المتحدة إنها تطرح مبادرات لدفع العملية السياسية نحو إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية، رغم استمرار التحديات الاقتصادية والأمنية.

(4+4) خطوة مهمة لكسر الجمود السياسي

حول ذلك، قالت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، هانا تيتيه، خلال إحاطتها أمام مجلس الأمن إن توقيع اتفاق الاجتماع المصغر (4+4) في طرابلس، جاء بعد أربعة أشهر من المداولات، وهو يمثل خطوة مهمة لكسر الجمود السياسي والمؤسسي.

وأشارت البعثة الأممية إلى أن الاتفاق تضمن خطوات تتعلق بإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، ومعالجة الخلافات القانونية والدستورية المرتبطة بالعملية الانتخابية، تمهيدًا لإجراء الانتخابات خلال 24 شهرًا في ظل سلطة تنفيذية موحدة.

خلافات النواب والدولة تعمق الانقسام

وأوضحت تيتيه أن مجلس النواب صادق على الاتفاق في 14 سبتمبر، بينما رفضه المجلس الأعلى للدولة، إلى جانب عدد من القرارات والقوانين المرتبطة بتنفيذه.

وأكدت تيتيه ضرورة عدم السماح للخلافات بتعطيل العملية السياسية، مشيرة إلى أن البعثة ستواصل مشاوراتها مع المشاركين في الاجتماع المصغر، وستبحث إمكانات إنشاء آلية وطنية واسعة التمثيل لدفع المسار السياسي، بالتشاور مع مجلس الأمن ووفقًا لما ينص عليه الاتفاق.

رفض مجلس الدولة يعكس محدودية الأعضاء

واعتبرت المبعوثة الأممية أن موقف مجلس الدولة يعكس محدودية استعداد بعض أعضائه للانخراط بصورة بناءة في العملية السياسية، مشيرة في الوقت نفسه إلى أن بعض الأعضاء طلبوا مزيدًا من الوقت للمشاورات.

كما حذرت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا خلال الإحاطة من تداعيات استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي على الأوضاع الاقتصادية والأمنية، مؤكدة ضرورة توافر الإرادة السياسية للمضي قدمًا نحو تهيئة الظروف لإجراء الانتخابات وتوحيد مؤسسات الدولة.

خسائر بمليارات الدولارات بسبب تهريب الوقود

اقتصاديًّا، كشفت الإحاطة الأممية أن معدل التضخم في ليبيا تجاوز 14%، فيما ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 3.8% خلال أغسطس، وسط تراجع القدرة الشرائية وتزايد الأعباء المعيشية على المواطنين.

وأشارت تيتيه إلى أن واردات الوقود بلغت 8.15 مليون طن متري خلال الفترة من يناير إلى سبتمبر 2026، بتكلفة إجمالية بلغت 8.9 مليار دولار، لافتة إلى تقديرات تفيد بفقدان نسبة كبيرة من هذه الواردات بسبب التهريب، بما يترتب عليه خسائر مالية بمليارات الدولارات.

مجلس الدولة يرد على تيتيه

في المقابل، رفض المجلس الأعلى للدولة توصيف تيتيه لموقفه من مخرجات الاجتماع المصغر (4+4)، معتبرًا أن الحديث عن محدودية استعداد بعض أعضائه للانخراط في العملية السياسية يتجاهل الأسس الدستورية والقانونية التي يستند إليها اعتراضه.

وأكد المجلس، في بيان، أن خلافه لا يتعلق برفض الحوار أو التسوية السياسية، وإنما بمشروعية المسار الذي أُنتجت من خلاله مخرجات الاجتماع المصغر ومدى توافقها مع الأطر الدستورية والقانونية المنظمة للعملية السياسية.

وشدد على أن رفض مسار محل اعتراض دستوري لا يعني رفض الحل السياسي، وأن الالتزام بالقانون يمثل شرطًا لصحة التوافق ومشروعيته، وليس عائقًا أمام الوصول إلى تسوية.

روسيا تحذر من تهميش المؤسسات الليبية

وفي إطار المواقف الدولية، حذرت روسيا من تداعيات تهميش المؤسسات والقوى السياسية الليبية المؤثرة في مسار التسوية، مؤكدة ضرورة التوصل إلى حلول توافقية تحظى بدعم الأطراف الرئيسية، مع الحفاظ على وحدة ليبيا وسيادتها واستقلالها وسلامة أراضيها.

وقال الممثل الدائم لروسيا لدى الأمم المتحدة، فاسيلي نيبينزيا، خلال جلسة مجلس الأمن بشأن ليبيا، إن الاتفاق الذي وقعه المشاركون في الاجتماع المصغر برعاية بعثة الأمم المتحدة يمثل خطوة مهمة نحو تجاوز الجمود السياسي، ويتضمن الدعوة إلى إجراء انتخابات عامة خلال عامين.

وشدد نيبينزيا على أن استبعاد المؤسسات الليبية المؤثرة لن يساعد على تحقيق الاستقرار السياسي على المدى الطويل، معتبرًا أن صعوبة التعامل مع بعض المؤسسات لا تبرر تجاهل وجهات نظرها أو استبعادها من جهود التسوية.

الصين تدعو إلى كسر الجمود السياسي

من جانبها، دعت الصين إلى كسر الجمود السياسي في ليبيا في أسرع وقت ممكن، وتوحيد مؤسسات الدولة، وتهيئة الظروف لإجراء الانتخابات واستكمال المرحلة الانتقالية، مع التشديد على ضرورة أن تكون العملية السياسية بقيادة ليبية ودون فرض حلول خارجية.

وقال نائب الممثل الدائم للصين لدى الأمم المتحدة، السفير سون لي، خلال إحاطة مجلس الأمن في 14 أكتوبر، إن الاتفاق الذي تم التوصل إليه في إطار مشاورات «4+4»، بوساطة بعثة الأمم المتحدة، يمثل تقدمًا مهمًّا في تنفيذ خارطة الطريق السياسية.

وأعرب عن أمل بلاده في أن يسهم الاتفاق في توحيد مؤسسات الدولة وإرساء الأساس لإجراء الانتخابات، مؤكدًا أن تنفيذه يتوقف على حصوله على دعم واسع من الأطراف الليبية.

إجماع دولي على دعم اتفاق (4+4)

إلى ذلك، شهدت جلسة مجلس الأمن، تأييدًا دوليًّا واسعًا لاتفاق اللجنة المصغرة (4+4)، باعتباره خطوة مهمة نحو تجاوز الجمود السياسي، والتمهيد لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وإنهاء الانقسام المؤسسي في البلاد.

وأكدت مداخلات الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، وهي الولايات المتحدة وروسيا والصين والمملكة المتحدة وفرنسا، إلى جانب الدول العشر الأخرى الأعضاء بالمجلس، وهي البحرين وباكستان وجمهورية الكونغو الديمقراطية والصومال وليبيريا وبنما ولاتفيا وكولومبيا واليونان والدنمارك، أهمية دفع العملية السياسية قدمًا، ودعم الجهود الرامية إلى توحيد مؤسسات الدولة وتهيئة الظروف لإجراء الانتخابات، مع التشديد على ضرورة التوصل إلى تسوية سياسية تنهي حالة الانقسام المستمرة.

ليبيا لا تحتاج إلى إحاطة جديدة

تجدر الإشارة إلى أنه، وبعد خمسة عشر عامًا من الأزمة، لا تزال الإحاطات الدولية تكرر اللغة نفسها: الاستقرار، وتوحيد المؤسسات، ومكافحة الفساد، واحترام القرارات الدولية، وإجراء الانتخابات، ومعاقبة المعرقلين. لكن ليبيا لا تزال تنزف، والدولة تتآكل، والسيادة تتراجع، والثروة تُهدر، والانقسام يتحول إلى واقع دائم.

ويرى مراقبون أن تجارب الليبيين مع بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا وتقاريرها المتعاقبة خلَّفت حالة متزايدة من الإحباط وفقدان الثقة في جدوى المبادرات السياسية التي ترعاها البعثة، بعدما تكررت الوعود بالتوافق والاستقرار من دون أن تنجح في إنهاء الانقسام أو وضع البلاد على طريق الانتخابات وتوحيد مؤسسات الدولة.

ويشير هؤلاء إلى أن خيبة الأمل تعززت بفعل مخرجات اتفاق الصخيرات عام 2015، والعملية السياسية التي أفضت إلى تشكيل السلطة التنفيذية المؤقتة في جنيف عام 2021، إذ لم تحقق هذه المسارات الاستقرار المنشود، ولم تنه الصراع على السلطة والثروة، بل استمر الانقسام السياسي والمؤسسي، وسط اتهامات للسلطات المتعاقبة بالفساد وسوء الإدارة وتكريس حالة التشظي، على حساب بناء دولة موحدة ومؤسسات وطنية مستقرة.

المشكلة ليست في نقص المبادرات أو غياب التوافقات، وإنما في غياب الإرادة الحقيقية لتنفيذها، وتحول التسويات السياسية إلى وسيلة لإعادة توزيع السلطة والنفوذ بين الأطراف المتنافسة، بدلًا من تأسيس دولة تحتكم إلى إرادة الشعب والقانون. ولذلك، بات كثير من الليبيين ينظرون بحذر إلى أي توافق جديد تعلنه البعثة الأممية، خشية أن يتحول إلى حلقة أخرى في سلسلة التسويات التي تطيل عمر الأزمة بدلًا من إنهائها.

لقد أصبح المجتمع الدولي بارعًا في توصيف الأزمة، لكنه أخفق في إنهائها. ومع تكرار الإحاطات من دون تغيير جوهري في الواقع، تحولت إلى ما يشبه خطابات تأبين لوطن ينزف؛ تُشخِّص الكارثة، ثم تترك أسبابها قائمة، وتكتفي بإدارة الأزمة بدلًا من وضع حد لها.

لكن ليبيا ليست مجرد ملف دولي، ولا أزمة بلا صاحب؛ إنها وطن له شعب، وله حق أصيل في السيادة وتقرير المصير. ومن ثم، فإن الخروج من هذه الدائرة المفرغة لن يتحقق بإحاطة جديدة، أو بتسوية تضاف إلى سلسلة التسويات السابقة، وإنما باستعادة المبادرة الوطنية، وإنهاء الوصاية الخارجية، ورفض المحاصصة وشرعيات الأمر الواقع، والعمل على بناء دولة موحدة، بمؤسسات وطنية راسخة، وجيش وطني موحد، وقرار سياسي مستقل، يعبر عن إرادة الليبيين ومصالحهم.

لقد آن الأوان للانتقال من انتظار الحلول إلى صناعة الحل، ومن إدارة الأزمة إلى إنهائها، ومن الارتهان للمبادرات الخارجية إلى امتلاك مشروع وطني يعيد للدولة هيبتها، وللسيادة معناها، وللشعب حقه في اختيار حكامه وتقرير مستقبله.

فليبيا لا تحتاج إلى مَن يصف نزيفها في إحاطة جديدة، بل إلى إرادة وطنية توقف هذا النزيف، وتستعيد الدولة، وتصون السيادة، وتعيد الوطن إلى أبنائه.

زر الذهاب إلى الأعلى