إيرادات النفط.. من يملك الحقيقة ومن يتحمل المسؤولية؟

بقلم: عثمان الدعيكي
لم يعد ما يجري بين مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط مجرد اختلاف في الأرقام أو تباين في طرق عرض البيانات المالية، بل أصبح مؤشرًا خطيرًا على حجم الخلل الذي تعانيه إدارة أهم مورد اقتصادي في البلاد. فعندما تختلف مؤسستان سياديتان حول مئات الملايين من الدولارات خلال أسبوعين فقط، فمن حق المواطن أن يتساءل: من يقول الحقيقة؟ وأين تذهب أموال النفط؟ ومن يراقب حركة هذه الأموال منذ خروجها من حسابات المشترين وحتى وصولها إلى خزينة الدولة؟
في الخامس عشر من أكتوبر الجاري، أصدر مصرف ليبيا المركزي بيانًا أكد فيه أن إجمالي الإيرادات النفطية الموردة فعليًّا إلى حساباته خلال الفترة من الأول إلى الرابع عشر من أكتوبر 2026 لم يتجاوز 361 مليون دولار. وفي المقابل، أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط أن المبالغ المحالة إلى الحساب السيادي لدى المصرف الليبي الخارجي بلغت نحو 1.232 مليار دولار حتى الثالث عشر من الشهر نفسه.
نحن هنا أمام فارق يقارب 871 مليون دولار، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف المبلغ الذي أعلنه المصرف المركزي. وهو فارق لا يمكن المرور عليه باعتباره مجرد اختلاف محاسبي عابر، حتى وإن كانت الجهتان تتحدثان عن مرحلتين مختلفتين من حركة الإيرادات.
فالمؤسسة الوطنية للنفط تقول إن جزءًا من هذه الأموال يُستخدم لتغطية اعتمادات استيراد المحروقات، وفق آلية أقرها قرار مجلس الوزراء رقم 525 لسنة 2026، بينما يؤكد المصرف المركزي أن أرقامه تعكس الأموال التي وصلت فعليًّا إلى حساباته. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية: هل أصبحت إيرادات النفط تمرُّ عبر حسابات وتسويات لا تظهر تفاصيلها كاملة في البيانات المالية للدولة؟ وإذا كانت هذه الآلية معتمدة، فلماذا لا تُنشر قيم الاستقطاعات وأوجه صرفها والأرصدة المتبقية بصورة دورية وواضحة؟
والأخطر أن هذا الخلاف يفتح الباب أمام تساؤلات أوسع تتعلق بمنظومة إدارة الإيرادات النفطية منذ عام 2011. فهل نحن أمام استمرار للآليات نفسها التي سمحت بتعدد الحسابات وتداخل الاختصاصات وضعف الرقابة؟ وهل خضعت جميع الإيرادات النفطية خلال السنوات الماضية لمراجعات مستقلة تتبع حركة الدولار منذ تحصيله وحتى إنفاقه؟
هذه الأسئلة لا تعني بالضرورة أن الفارق المعلن يمثل أموالًا مفقودة أو مختلسة، لكنها تكشف الحاجة إلى تحقيق مالي شامل يحدد أين ذهبت الأموال، وما إذا كانت هناك تجاوزات أو استفادة غير مشروعة من بعض التدفقات المالية. فاتهام أشخاص بالاستيلاء على المال العام يحتاج إلى أدلة، لكن غياب الشفافية الكافية يظل سببًا مشروعًا للمطالبة بالتحقيق والمحاسبة.
ولفهم خطورة المسألة، يكفي النظر إلى بعض المؤشرات الاقتصادية. فقد بلغت إيرادات ليبيا النفطية، وفق بيانات المؤسسة الوطنية للنفط، نحو 21.9 مليار دولار خلال عام 2024، بينما تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن النفط والغاز يمثلان أكثر من 90% من الصادرات الليبية، ويشكلان المصدر الأساسي للإيرادات العامة والنقد الأجنبي.
وفي اقتصادٍ بهذه الدرجة من الاعتماد على النفط، فإن أيَّ خلل في تحصيل الإيرادات أو توريدها أو استخدامها ينعكس مباشرة على قدرة الدولة على تمويل احتياجاتها، وعلى احتياطيات النقد الأجنبي واستقرار سعر صرف الدينار.
وقد أشار صندوق النقد الدولي، في مشاوراته بشأن ليبيا لعام 2025، إلى استمرار الاختلالات المالية والاعتماد الكبير على النفط، محذرًا من مخاطر الإنفاق العام المرتفع وضعف التنسيق بين السياسات الاقتصادية. وهي تحذيرات تكتسب اليوم أهمية أكبر مع استمرار الضغوط على الدينار الليبي واتساع الفجوة بين سعره الرسمي وقيمته في السوق الموازية.
فانهيار قيمة العملة ليس حدثًا منفصلًا عن طريقة إدارة الموارد العامة. وعندما تتراجع الثقة في قدرة المؤسسات على ضبط الإيرادات والنفقات، تتزايد المضاربة على الدولار، وترتفع تكلفة الواردات، وتتآكل القوة الشرائية للمواطن. وفي النهاية يدفع الليبيون ثمن اختلالات لم يكونوا طرفًا فيها.
ولا يمكن إغفال ملف استيراد المحروقات، الذي تحول إلى أحد أكبر مصادر الضغط علىالنقد الأجنبي، رغم أن ليبيا دولة منتجة ومصدِّرة للنفط. فاستمرار الاعتماد على الاستيراد، مع ضعف طاقات التكرير المحلية ومخاطر التهريب، يجعل من الضروري إخضاع هذه العمليات لتدقيقٍ مستقل، يكشف الكميات المستوردة وأسعارها وتكاليفها والجهات المستفيدة منها.
إن ما نحتاجه اليوم ليس بيانًا جديدًا من المصرف المركزي أو ردًّا آخر من المؤسسة الوطنية للنفط، وإنما كشف حساب وطني شامل، تتولى مراجعته جهات رقابية مستقلة، بمشاركة ديوان المحاسبة ومكتب النائب العام، ويشمل الإيرادات النفطية والحسابات الخارجية وتسويات المحروقات والتحويلات إلى المصرف المركزي، مع توسيع المراجعة إلى السنوات السابقة كلما ظهرت مؤشرات تستدعي ذلك.
كما أصبح من الضروري إنشاء منظومة مالية موحدة تربط المؤسسة الوطنية للنفط والمصرف الليبي الخارجي ومصرف ليبيا المركزي ووزارة المالية، وتتيح تتبع الإيرادات والاستقطاعات والتحويلات، تمهيدًا لإخضاعها لإطار واضح ضمن حساب الخزانة الموحد.
إن أخطر ما يهدد الاقتصاد الليبي اليوم ليس تراجع أسعار النفط وحده، وإنما استمرار إدارة موارده بمنظومة تفتقر إلى الإفصاح الكامل والمساءلة الفاعلة. وإذا استمر هذا النهج، فإن تدهور الدينار واتساع العجز وتآكل المدخرات قد تدفع الاقتصاد إلى نفق يصعب الخروج منه، حتى لو ارتفعت أسعار النفط وتضاعفت إيراداته.
فليبيا ليست دولة فقيرة في مواردها، لكنها تدفع ثمنًا باهظًا لضعف إدارتها. وما لم نعرف بدقة كم دخل إلى خزائن الدولة، وكم أُنفق، وأين ذهب الباقي، فستظل مليارات النفط تتدفق، وسيظل المواطن يبحث عن نصيبه منها في قيمة دينار يتراجع، وأسعار ترتفع، وحياة تزداد صعوبة.
