كأنك يا بوزيد ما غزيت

بقلم / ناجي إبراهيم
الاحتجاجات والإضرابات والاعتصامات لا تعبر عن مطالبات مشروعة لحقوق أهملت أو تم السكوت عليها فقط، بل تكشف عن عجز وفشل حكومي، وعن سياسات خاطئة، كما أنها ناقوس خطر ينبه لوجود انحرافات تهدد مستقبل الدولة وخاصة الاقتصادية التي تؤدي إلى تدهور الأوضاع المعيشية للمواطنين، وهذا ما أراد قوله الأطباء والمعلمون من خلال إضرابهم الذي يستمر لأكثر من شهر ودون أن يجدوا من يستمع إليهم وهو ما لم تفهمه الحكومة والأجسام التشريعية والرقابية والمالية.
الموضوع ليس موضوع رفع سقف المرتبات الهزيلة والضعيفة في مواجهة غول التضخم والأسعار التي سوف تلتهم أي زيادات مهما بلغت، لكنه جزء من تسكين الحالة المعيشية الصعبة التي تعالجها الحكومات دائمًا بتقليص الفجوة بين دخول المواطنين ونسب التضخم، بحيث يصبح التضخم غير ضار لجيب المواطن ويخفف عنه بعض المضاعفات التي يحدثها التضخم على مجمل الحياة، بل هو تفكير بصوت عالٍ للخروج من هذه الحلقة المفرغة، أن الحكومات لا تكتفي بهذه المعالجات التسكينية ولكنها تتخذ جملة من التدابير والسياسات التي تدفع نحو تخفيض أو تجميد التضخم عند معدلات تسمح بالتعايش معها.
وضع جدول موحد للمرتبات بقدر ما يحقق من عدالة في توزيع دخل النفط أو بعضه بين المواطنين باعتباره المورد الوحيد للدخل في ليبيا إلا أنه لا يحل مشكلة التضخم وتدني سعر الدينار الذي سيلتهم أي زيادة وسنعود لنفس المربع الأول.
رفع المرتبات وتدني سعر الدينار خاصة ونحن بلد يستورد كل شيء من الخارج ويشهد عملية توقف تام في منوال التنمية ليس هو الحل للأزمات المعيشية الخانقة التي تهدد السلم الاجتماعي وخلق مجتمع طبقي يزداد فيه الفقير فقرًا والغني غنى ونجد أنفسنا بين خيارين كلاهما مر: الانفلات والفوضى وإرهاصاتها موجودة في كل بيت وشارع أو الذهاب إلى صندوق النقد الدولي الذي سيدير إنتاج وبيع النفط فيما بعد، ويبدو أننا نتجه نحو الخيار الثاني طالما أن المؤسسة النقدية في ليبيا تطبق وصايا وإملاءات الخزانة الأمريكية وتفتح أبوابها وملفاتها أمام سفيري بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية.
اتخاذ سياسات نقدية مستقلة عن الخارج وتتناسب مع دخل النفط وحاجات الليبيين الحقيقة والضرورية هو أولى خطوات الحل والخروج من الأزمة وإيقاف الاحتجاجات والإضرابات التي لن تتوقف عند المعلمين والأطباء، بل ستشمل شرائح أخرى ليست أقل تضررًا من سياسات الحكومة.
إذا كانت زيادة المرتبات كما في المرات السابقة سيتم تغطيتها بتخفيض سعر الدينار فيجب أن لا تمر وأن لا يسمح بها الليبيون، وأن زيادة سيلتهما تدني سعر الدينار (وكأنك يا بوزيد ما غزيت)، يجب أن تكون المعالجات في خطين متوازيين الأول رفع سعر الدينار بشكل متدرج مع رفع المرتبات بما يوازي حجم التضخم الذي أحدثه تدني سعر الدينار في السنوات الماضية والثانية، والأهم، وهو ما يبدو أن الحكومة غير قادرة على الولوج فيه، سد كل البوابات التي تسلل منها الفساد وأوجد أبوابًا فتحت شهية التجار والمضاربين على المتاجرة في الدولار والعملات الأجنبية الأخرى، وذلك من خلال السيطرة على التجارة الخارجية والسماح باستيراد السلع الضرورية التي تحتاجها التنمية المحلية وتحقق عائدًا ربحيًّا يعظم الدخل ويغنينا عن دخل النفط وإيجاد بدائل حقيقة له، والعمل الفوري على ضرب مافيا التهريب وتجفيف منابع تمويلها ومصادر تغولها.
والعمل على الإقفال الفوري لكل البعثات الدبلوماسية في الخارج والتي لا ضرورة لها، وتقليص العاملين بالبعثات الباقية وتخفيض مرتباتهم ومزاياهم ومساواتها بدخل الموظف في الداخل (أي الموظف الذي يتقاضى في الداخل 2000 دينار الموظف في الخارج يجب أن يتقاضى نفس المرتب مقسوم على 6) غير ذلك نبشركم أن الإضرابات ستتواصل والاعتصامات ستستمر وستشمل جميع القطاعات وستصاب البلاد بشلل كامل وتام.
سيقول بعض ممن سيقرأون هذا الخطاب (أنه صفير في أذن ميت) وأنا أيضًا عندي يقين وقناعة أن من يحكمون البلاد اليوم ليس في إمكانهم وضع رؤية وتصور وخطة للخروج بالبلاد من أزماتها المتعددة والمتكررة والمزمنة التي ليست عصية على الحل إذا ما وجد من لديه النية الصادقة للخروج من هذا الوضع المزري، ونعلم أن آذانهم مفتوحة على الخارج ومغلقة أمام الداخل، ولكن أوجه حديثي للشعب الليبي بكل شرائحه حتى تكون تحركاتهم منتجة وفاعلة ومفتاحًا لحل الأزمات ومنها أزمة السيادة.
