مقالات الرأي

بعد أن بنوا الأجيال.. من يسندهم؟



سعاد الجروشي

من علَّم الطبيب أول حرف، ودرَّب المعلم، وأرشد المهندس، وأعدَّ الموظف والتاجر والحرفي؟

إنهم معلمون وأساتذة أفنوا سنوات عمرهم في التعليم، وأسهموا ـ بعد فضل الله ـ في بناء أجيال حملت العلم والعمل إلى مختلف ميادين الحياة.

لكن ماذا حدث حين انتهت سنوات الخدمة؟

وجد كثير من المتقاعدين أنفسهم أمام معاش بسيط لا يكاد يغطي متطلبات الحياة، بينما تتزايد تكاليف المعيشة والعلاج والدواء.

وبدل أن تكون سنوات التقاعد راحة بعد رحلة طويلة من العطاء، يضطر بعض من تجاوزوا الستين إلى العمل حراسًا في المصانع والمحلات وغيرها، يقضون ساعات الليل بعيدًا عن بيوتهم، رغم المرض وتعب الجسد.

والمتقاعدات أيضًا يواجهن الظروف نفسها؛ فمنهن من يصنعن الخبز والحلويات في منازلهن ويبعنها، فقط لتأمين احتياجاتهن والعيش بكرامة.

أما العلاج، فهو همٌّ آخر. فهذه الفئة تحتاج إلى رعاية صحية حقيقية ودواء موثوق، لا إلى أن تتحول رحلة العلاج إلى عبء جديد فوق كاهلها.

هؤلاء ليسوا مجرد أسماء في قوائم المتقاعدين؛ إنهم الذين وضعوا اللبنات الأولى في تعليم من يقودون المجتمع اليوم.

لذلك، حين نرى رجلًا تجاوز الستين يقضي الليل حارسًا، أو امرأة مسنَّة تقف في مطبخها لتبيع ما تصنعه، علينا ألا نعتبر ذلك مجرد مشهد عابر.

إنه سؤال عن الوفاء. هل يعقل أن يقضي الإنسان عمره في بناء أجيال، ثم يقضي شيخوخته في البحث عن قوت يومه؟

المطلوب ليس شفقة، بل حق يحفظ الكرامة: معاش يواكب الحياة، علاج آمن، ورعاية تليق بمن أفنى عمره في خدمة الناس.

فمن أعطى أجمل سنواته للوطن، لا ينبغي أن يُترك في آخر العمر وحيدًا في مواجهة الحاجة.

كرّموا سنوات عطائهم قبل أن يصبح التكريم مجرد كلمات تُقال بعد فوات الأوان.

زر الذهاب إلى الأعلى