من التضليل إلى إنتاج التفاهة.. آليات إلهاء الشعوب

بقلم/ محمد عبد القادر
استراتيجية الإلهاء عنصر أساسي في التحكم بالمجتمعات، وهي تتمثل في تحويل انتباهِ الرأي العام عن المشاكل المهمة والتغييرات التي تقررها النخب السياسية والاقتصادية، ويتم ذلك عبر وابِلٍ متواصلٍ منَ الإلهاءاتِ والمعلومات التافهةِ.
المفكر واللغوي الأمريكي نعوم تشومسكي
يتناول تشومسكي من خلال هذه الفقرة كيف تتم صِناعةُ العمَى: كيف تحولت وسائل الإعلام إلى أدواتٍ لإلهاءِ الشعوبِ وتكريس “نظام التفاهة”.
في عالم تتلاطم فيه أمواج المعلومات، ويبدو فيه الإنسان المعاصر محاطًا بشاشات تنطق على مدار الساعة، يتبادر إلى الذهن سؤالٌ مُقلق: هل نحن أكثر وعيًا أم أشد عمى؟ تاريخيًّا، وُلدت الصحافة ووسائل الإعلام كشعلة تنوير تضيء عَتْمَةَ السلطة وتكشف حجب الفساد. غير أن المشهد اليوم يشهدُ انقلابًا مأساويًّا؛ فقد تحولت المنصات الإعلامية الكبرى، والقنوات الفضائية، وشبكات التواصل الاجتماعي، من أدوات للمعرفة والتنوير إلى “مصانع لتغييب الوعي”.
لم يعد الهدف نقل الحقيقة، بل إعادة صياغة عقول الجماهير وإغراقها في لُجب (صياح وجلبة) من التفاهة والإلهاء الممنهج.
وحين نضع رؤى عمالقة النقد الفكري المعاصر، من نعوم تشومسكي، إلى سيرج حليمي، وألان دونو، تحت مجهر التحليل، يتكشف لنا مخطط مُحْكَم ودقيق يهدف إلى استنزاف الوعي الجمعي وإبعاد الشعوب عن إدراك كنه وأبعاد القرارات الكبرى التي تقرر مصيرها.
عندما نبدأ بتناول رؤية المفكر واللغوي الأمريكي نعوم تشومسكي حول استراتيجية “إلهاء العقول”: وترتيب حالة الانصياع هنا يمكننا أن نؤكد انفصال سيطرة النخب عن حاجتها الماسة لإبقاء الشعوب غارقة في الغفلة.
وهنا يقدم تشومسكي تشخيصه المبكر لتصنيع الموافقة، موضحًا أن الإعلام الرأسمالي يتقن استخدام “استراتيجية الإلهاء” ببراعة.
تقضي هذه الاستراتيجية بتحويل انتباه الجمهور باستمرار عن القضايا الهيكلية الحقيقية -كالسياسات الضريبية الظالمة، وتآكل شبكات الأمان الاجتماعي، وتمركز الثروات ــ إلى قضايا استعراضية تافهة ومفتعلة.
بهذه الطريقة، يُبقي النظام الحاكم والطبقات المستفيدة العقول في حالة إنهاك دائم بتفاصيل الحياة اليومية السطحية والثرثرة العابرة، مما يجردهم تدريجيًّا من القدرة على التفكير النقدي أو التمرد الفكري.
سيرج حليمي و”كلاب حراسة الإعلام”:
هذا التجهيل الممنهج لا يحدث صدفة، بل يقوده جيش من “الحراس”.
في كتابه “كلاب حراسة الإعلام”، يوجه الكاتب الصحفي الفرنسي ومدير صحيفة لوموند ديبلوماتيك سيرج حليمي ضربة قاصمة لأسطورة “استقلالية الصحافة” ذلك الادعاء الغربي الذي تكرره وسائل الإعلام الغربية.
حيث يوضح حليمي كيف تحول الصحفيون والوجوه الإعلامية البارزة، المفترض بهم تمثيل السلطة الرابعة والوقوف بجانب المستضعفين، إلى “كلاب حراسة” تدافع عن مصالح نفوذ رأس المال الاحتكاري العالمي.
تخضع المؤسسات الصحفية الكبرى لسلطة الاحتكارات المالية التي تملكها أو تمولها، ليصبح الخطاب الإعلامي معلبًا وموجهًا.
وبدلًا من كشف التواطؤ السياسي والاقتصادي، يتفرغ هؤلاء الإعلاميون لتغذية الجمهور بفقاعات ترفيهية وثرثرة فارغة، حمايةً للنخب الحاكمة وإبعادًا لأي عين نقديّة قد تفضح هشاشة القرارات الاقتصادية التي تضر بصالح الشعوب.
أما الفيلسوف الكندي الناطق بالفرنسية “ألان دونو” و”نظام التفاهة” الذي يعمل على التسطيح كمنظومة حكم عالمية.
إذا كان تشومسكي قد كشف أدوات الإلهاء، وحليمي قد فضح دور حراس الإعلام، فإن الأكاديمي الكندي الفرنسي ألان دونو يمنحنا الإطار الأوسع في كتابه الشهير “نظام التفاهة”.
حيث يرى دونو أن التفاهة لم تعد مجرد فراغ ثقافي فردي، بل تحولت إلى منظومة حكم عالمية تتخلل السياسة والإعلام والثقافة.
ويشرح دونو هذا النظام فيقول “يعتمد هذا النظام على تهميش الكفاءات الحقيقية والأصوات النقدية الجادة، وإحلال “الوسطاء التافهين” محلهم؛ وهم أشخاص يملكون القدرة على التصفيق للوضع القائم دون إزعاج السلطة بأسئلة عميقة.
وبهذا، يصبح التسطيح ثقافة عامة تعيد إنتاج العجز المجتمعي، وتجعل الشعوب تتقبل تدهور ظروف حياتها ببلادة تامة.
إن تقاطع رؤى تشومسكي، وحليمي، ودونو، يرسم لنا لوحة واقعية مؤلمة، ولكنه يكشف في الوقت ذاته قواعد اللعبة.
إن الإعلام المعاصر، بشاشاته ومنصاته الذكية، يمارس عملية “تخدير ممنهجة” للوعي الإنساني، مُحولًا المواطن من كائن مفكر يبحث عن عدالة اقتصاديَّة وسياسيَّة، إلى مستهلك بليد تستهويه التفاهة وتستهلكه الاستعراضات الفارغة.
إن كسر هذا الطوق يبدأ حتمًا من إعادة الاعتبار للسؤال النقدي، والرفض الواعي لتلك الثرثرة الإعلامية الموجهة.
فإما أن نستعيد عقولنا لتقرير مصائرنا، أو نترك “كلاب حراسة النظام” ونظام التفاهة يكتبون الفصل الأخير من تاريخ وعينا.
