من الإطاحة بمصدق إلى اغتيال القذافي

عبد الله الربيعي
قوى الاستعمار تكرر نفس المخططات وتستخدم نفس الأدوات للقضاء على خصومها، فبعد حوالي ستين عامًا على الهجوم الذي نفذته أمريكا في إيران كررته فرنسا وبريطانيا وأمريكا في ليبيا للقضاء على ثورة الفاتح.
تواريخ وأحداث، من إيران في سنة 1953 إلى ليبيا عام 2011، ومن الدكتور محمد مصدق أستاذ القانون ورئيس الوزراء المنتخب إلى القائد معمر القذافي، تتشابه الأحداث وتتكرر نفس الأدوات والشعارات التي أطاحت بمصدق تستخدم بالطريقة نفسها، والشخوص هم أنفسهم مع بعض التعديلات التي أوجبتها تغير الظروف والبيئة الدولية والمحلية في ليبيا 2011.
فلقد شكّلت قرارات محمد مصدق رئيس وزراء إيران عام 1953 خطرًا على مصالح الغرب بتأميم النفط، فأعلنت بريطانيا حصارها لإيران وجمدت أموالها، لكن هذه القرارات لم تكن كافية من وجهة نظر حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، فبعثت برجلين من رجال المخابرات والأمن القومي، الأول كيرميت روزفلت حفيد الرئيس الأمريكي روزفلت، وهو ضابط في وكالة الاستخبارات الأمريكية CIA يتكلم الفارسية بطلاقة، والثاني شوارتزكوف الأب والد الجنرال الذي غزا العراق في عاصفة الصحراء 1991، لتنفيذ مؤامرة الإطاحة بمصدق، كانت أمامهما أربع أدوات لقيادة الشارع وتهييج الرأي العام لتنفيذ الانقلاب واعتقال مصدق وحكومته.
وهذه الأدوات هي استخدام خطباء المساجد، الصحافة والإعلاميين، البلطجية في الشارع، وبعض الضباط في قيادة الجيش من خلال رشوتهم بالمال والوعود بالحكم.
فلقد جنّد روزفلت حجة الإسلام فلسفي وحجة الإسلام بهبهاني وهما من أكبر خطباء طهران ومنح كلًّا منهما عشرة آلاف دولار وأمرهم في خطبة الجمعة بالقول إن مصدق ليس سوى بهائي كافر، ويريد أن يمنع الحجاب وسيجعل إيران مثل روسيا، ثم ذهب روزفلت إلى الصحف واشترى 80 % منها ومنح كل واحدة مائة دولار وطلب منهم نشر مقالات كاذبة بأن محمد مصدق مريض نفسيًا وهو يهودي وأمه يهودية! وهو سيسلم إيران لستالين الزعيم الروسي الشيوعي آنئذ.
ثم ذهب يبحث عن أكبر زعيم للعصابات الإجرامية في مدينة طهران، فوجد ضالته في شعبان جعفري “شعبان بي مخ”، أي بلا عقل، قائد عصابة من 500 مصارع وقد أعطاه 20 ألف دولار وطلب منه تجنيد كل البلطجية، وفعلا يوم تنفيذ المؤامرة أحضر أكثر من ثلاثة آلاف بلطجي وسكير قاموا بالمظاهرات التي تنادي بسقوط مصدق وحرقوا صوره.
ثم ذهب أخيرًا إلى ضابط كبير في الجيش الإيراني يدعى فضل الله زاهدي، الحاقد على مصدق لأن مصدق قد طرده من الجيش، ولقد منحه 100 ألف دولار لتوزيعها على ضباط الجيش للقيام بالانقلاب والقبض على مصدق.
وفعلًا يوم 19 أغسطس 1953 تم تنفيذ السيناريو المخطط له، الإذاعة قالت إن مصدق هرب إلى موسكو، وشيوخ الدين قالوا مصدق خطر على الإسلام، والبلطجية حرقوا بيوت الوزراء والموالين لمصدق، ولقد قامت الدبابات التي يقودها الجنرال زاهدي والضباط المرتشون باعتقال محمد مصدق حيث أودع السجن وحكم عليه بالإعدام، ثم خفف إلى السجن المؤبد، ومات في سجنه بعد ثلاث سنوات.
وعاد الشاه محمد بهلوي من إيطاليا هاربًا لها على متن طائرة أمريكية، وأول قراراته إلغاء قوانين التأميم وقسم حقوق استخراج النفط بين بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية ورهن إيران وجيشها لأمريكا وجعل إيران شرطي أمريكا في الخليج.
فما أشبه سيناريو الإطاحة بمصدق بمؤامرة فبراير في ليبيا عام 2011 التي استخدمت نفس الأدوات والشعارات؛ شيوخ الدين والإعلام والقنوات الفضائية والبلطجية والإرهابيين وسقط المتاع من المجرمين أصحاب القضايا والسجناء، والمعارضات الخارجية وبعض ضباط القوات المسلحة.
نفس الأدوات ونفس الدعاية الذين كفروا معمر القذافي وقالوا عنه إنه يهودي وأمه يهودية وإن معمر القذافي هرب إلى فنزويلا.
وعندما فشل هذا السيناريو اتهم القذافي بقتل شعبه ويجب حماية المدنيين! هذا المدخل الذي استغل لاتخاذ قرارات فرض منطقة حظر الطيران والذي كان وراء ذلك التدخل العسكري والقصف الجوي الذي استمر ثمانية شهور نتج عنه تدمير ليبيا وقتل قيادتها ثم تسليمها إلى العملاء والجواسيس لإدارة الفوضى والنهب وتفقير الشعب، وهذا ما عشناه من 16 سنة من عمر المؤامرة.
لقد قال بيركنز في كتابه: الاغتيال الاقتصادي للشعوب: “لقد تعلّمنا من دروس إسقاط مصدق أننا نجحنا، لأننا فهمنا أنـك لا تحتاج دائمًا أن تستخدم الجيوش الجرارة لتحتل بلدًا ما، ولكن اشترِ رجال دينه وصحفييه المرتشين وبلطجيته وعددًا من الخونة في جيشه وهم سوف يهدمون بيتهم بأيديهم”، وهو فعلًا ما طبق في ليبيا على غرار نموذج الإطاحة بمصدق.
فمن خلال الصادق الغرياني وسالم جابر والقرضاوي وآخرين، وجماعة الطير الأبابيل، وقارئ القرآن العالم، وجماعة المغتصبات محمود جبريل وسرقيوة، وشاهي الحرية في ميدان محكمة بنغازي، والضابط الخائن سليمان محمود الذي سوّق قصة جاليلو الطلياني اليهودي، والخبر المفبرك الذي أعلنه وزير خارجية بريطانيا بهروب معمر القذافي إلى فنزويلا.
وعندما فشلت كل تلك الخدع ولم تؤتِ أكلها، كان التدخل العسكري الفرنسي ثم حلف النيتو بقرارات مجلس الأمن تحت غطاء كذبة حماية المدنيين.
ولقد سجل في التاريخ أن بعضًا من الليبيين هدموا بيتهم بأيديهم لتنفيذ مخططات دول الاستعمار في قتل معمر القذافي وتدمير ليبيا وإيقاف خطة التنمية الطموحة التي وصل حجم استثماراتها إلى مائتي مليار دينار، والقضاء على مشروعات استراتيجية في مهدها، الدينار الذهبي الإفريقي، ومشروع تحويل نهر الكونغو، والاستثمارات الكبرى في توليد الطاقة الكهرومائية على سدود بحيرة إنجا في الكونغو الديمقراطية.
