بروتوكول القوة

فرج بوخروبة
شهدت الأعراف الدبلوماسية في البيت الأبيض تحولًا لافتًا في طريقة التعاطي مع قادة القوى الكبرى الصاعدة، وكان استقبال الرئيس الصيني شي جين بينغ من أكثر المشاهد التي عكست هذا التحول. فالمشهد تجاوز حدود الاستقبال الرسمي المعتاد، من خلال الحضور الواسع لكبار مسؤولي الإدارة الأمريكية، والسجادة الحمراء، ووقوف الرئيس دونالد ترامب وعقيلته في مقدمة المستقبلين، إلى جانب عزف النشيدين الوطنيين للبلدين والعروض الجوية التي رافقت مراسم الاستقبال. وبعيدًا عن التفاصيل البروتوكولية، بدا واضحًا أن للمشهد رسالة سياسية تتجاوز حدود المراسم.
ففي العلاقات الدولية، لا تكون البروتوكولات دائمًا مجرد إجراءات شكلية، بل يمكن أن تتحول في بعض المناسبات إلى لغة سياسية بحد ذاتها. وطريقة استقبال رئيس دولة، ومكان وقوفه، ومستوى التمثيل الرسمي، وحجم المراسم المصاحبة لزيارته، كلها عناصر يمكن أن تحمل دلالات تتعلق بمكانة الدولة والعلاقة التي تريد الدولة المضيفة إظهارها أمام الداخل والخارج. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الحفاوة التي حظي بها شي جين بينغ باعتبارها مؤشرًا على الوزن الذي باتت الصين تحتله في الحسابات الأمريكية والدولية.
الصين اليوم ليست مجرد منافس اقتصادي للولايات المتحدة، بل قوة كبرى تمتلك ثقلًا اقتصاديًّا وعسكريًّا وسياسيًّا واسعًا، وأصبحت طرفًا حاضرًا في معظم الملفات الكبرى التي تشكل النظام الدولي. ولهذا فإن التعامل الأمريكي معها لا يمكن أن يقوم على المنافسة وحدها، كما لا يمكن أن يقوم على التعاون وحده. العلاقة بين البلدين أصبحت أكثر تعقيدًا؛ فهي تجمع في الوقت نفسه بين التنافس والتعاون والاعتماد المتبادل، خصوصًا في التجارة والاستثمار والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد والقضايا الدولية التي يصعب التعامل معها بمعزل عن بكين.
ومن هنا تكتسب اللقاءات المباشرة بين القيادتين أهمية تتجاوز العلاقات الثنائية. فواشنطن تدرك أن إدارة التنافس مع الصين تحتاج إلى قنوات اتصال مفتوحة، وأن الخلاف بين القوتين لا يعني بالضرورة قطع التواصل بينهما. وعلى الجانب الآخر، تدرك بكين أن الولايات المتحدة ما زالت القوة الأكثر تأثيرًا في كثير من المؤسسات والتحالفات الدولية. ولذلك فإن اللقاء المباشر بين الطرفين يمثل، في حد ذاته، وسيلة لإدارة التنافس ومنع الخلافات من التحول إلى مواجهات يصعب السيطرة عليها.
كما أن شخصية الرئيس الصيني وموقعه داخل النظام السياسي الصيني يضيفان بعدًا آخر للمشهد. فصنع القرار في الصين شديد المركزية، والرئيس يمثل رأس القيادة السياسية للدولة والحزب، ولذلك فإن التواصل المباشر معه يحمل أهمية خاصة بالنسبة إلى واشنطن. وهذا لا يعني أن الولايات المتحدة تتخلى عن خلافاتها مع الصين أو أنها تتفق معها في القضايا الكبرى، وإنما يعني أن حجم الدولة وثقل قيادتها يفرضان مستوى مرتفعًا من التعامل السياسي.
وفي هذا السياق، يصبح الاستقبال نفسه جزءًا من إدارة العلاقة. فإظهار الاحترام في المراسم الدبلوماسية لا يعني بالضرورة التنازل عن المصالح أو الخلافات، كما أن الحفاوة لا تعني انتهاء التنافس. قد تكون المراسم في بعض الأحيان وسيلة لإظهار أن الخلافات، مهما بلغت، لا تمنع القوى الكبرى من الجلوس إلى الطاولة والتفاوض المباشر. وهذا أمر مهم في العلاقات الدولية، حيث لا تقاس قوة الدولة فقط بقدرتها على الضغط، وإنما أيضًا بقدرتها على إدارة علاقاتها مع خصومها ومنافسيها.
أما المشهد الجوي الذي رافق مراسم الاستقبال، فقد أضاف إلى الزيارة بعدًا بصريًّا لافتًا، لكنه لا ينبغي أن يتحول وحده إلى دليل على اختلاف عميق في شخصيتي الرجلين أو في طبيعة الاستراتيجيتين الأمريكية والصينية. فالسلوك الفردي في مناسبة بروتوكولية لا يكفي لإثبات خصائص استراتيجية واسعة، ولذلك تبقى دلالته محدودة إذا ما قورنت بالرسائل السياسية التي تحملها الزيارة نفسها.
والرسالة الأوسع التي يمكن قراءتها من هذا المشهد هي أن العلاقة الأمريكية الصينية أصبحت من العلاقات المركزية في النظام الدولي. فكثير من الملفات الاقتصادية والأمنية والتكنولوجية والجيوسياسية الكبرى تتأثر بشكل مباشر أو غير مباشر بمستوى التفاهم أو التوتر بين واشنطن وبكين. وهذا لا يعني أن العالم أصبح محكومًا بهاتين الدولتين وحدهما، فهناك قوى دولية وإقليمية أخرى تمتلك مصالح وقدرات ونفوذًا متزايدًا، لكنه يعني أن أي قراءة جدية للتحولات الجارية في النظام الدولي لا تستطيع تجاهل الوزن الأمريكي والصيني.
كما أن للمشهد رسالة موجهة إلى الداخل الأمريكي. فاستقبال الرئيس الصيني بهذا المستوى من الاهتمام يمكن أن يُفهم باعتباره تأكيدًا على أن واشنطن تتعامل مع الصين باعتبارها تحديًا استراتيجيًّا لا يمكن تجاهله، وأن إدارة هذا التحدي تحتاج إلى الجمع بين القوة والتفاوض، وبين حماية المصالح الأمريكية والحفاظ على قنوات الاتصال.
وفي النهاية، قد لا تكون أهمية زيارة شي جين بينغ في تفاصيل السجادة الحمراء أو عدد المشاركين في مراسم الاستقبال بحد ذاتها، وإنما في ما تكشفه هذه التفاصيل عن طبيعة المرحلة الدولية الجديدة. فالبروتوكول هنا لم يكن منفصلًا عن السياسة، والمراسم لم تكن مجرد مشهد احتفالي، بل جاءت في سياق علاقة أصبحت من أكثر العلاقات تأثيرًا في اتجاهات النظام الدولي.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى استقبال شي جين بينغ باعتباره مشهدًا يعكس حقيقة أكبر: العالم يتغير، وموازين القوة تتبدل، والقوى الكبرى لم تعد تدير علاقاتها بمنطق الصداقة والخصومة فقط، وإنما بمنطق المصالح وإدارة التنافس وحسابات القوة. وفي مثل هذا العالم، يصبح احترام الخصم والتواصل معه جزءًا من إدارة الصراع، وليس بالضرورة علامة على انتهاء الخلاف.
