ملفات وتقارير

هل بدأت مرحلة الهروب من القواعد العسكرية المكشوفة في المنطقة بعد أن أصبحت هدفًا للجيش الإيراني؟

تقرير – سيد العبيدي

لم يكن خروج آخر القوات الأمريكية من العراق في 30 سبتمبر 2026 مجرد نهاية لمهمة عسكرية استمرت أكثر من عقد، أو مجرد تنفيذ لاتفاق سياسي وأمني سابق بين بغداد وواشنطن، إذ جاء الانسحاب بعد أشهر من الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران، التي كشفت حجم الأضرار التي يمكن أن تتعرض لها القواعد والمنشآت العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط أمام الهجمات الإيرانية.

وبينما تقدم واشنطن الخطوة باعتبارها انتقالًا من مهمة التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش” إلى علاقة دفاعية ثنائية مع العراق، فإن توقيت الانسحاب ومكان إعادة انتشار القوات يطرحان تساؤلات بشأن مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في الخليج والشرق الأوسط، خصوصًا بعد أن أثبتت الحرب أن القواعد العسكرية الثابتة يمكن أن تتحول من أدوات للردع والحماية إلى أهداف مباشرة في أي مواجهة إقليمية.

وبحسب تقارير صحفية، انتقلت قيادة قوة المهام المشتركة لعملية “العزم الصلب” إلى الأردن، مع استمرار المهمة المتعلقة بمكافحة تنظيم “داعش” في سوريا. وتقول القيادة المركزية الأمريكية إن الانسحاب من العراق يمثل انتقالًا مخططًا إلى علاقة دفاعية ثنائية مع بغداد، بعد مغادرة القوات والمعدات قاعدة أربيل الجوية.

القواعد الأمريكية تحت النار

وأظهرت الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران أن الانتشار العسكري الأمريكي في الخليج والشرق الأوسط لم يعد محصنًا بالصورة التي كان يُنظر إليها قبل المواجهة.

وكشف تحليل لصور الأقمار الصناعية أجرته صحيفة “واشنطن بوست” أن الضربات الإيرانية ألحقت أضرارًا أو دمرت ما لا يقل عن 228 منشأة أو قطعة معدات في مواقع عسكرية أمريكية بالشرق الأوسط، وشملت الأضرار مباني وثكنات ومستودعات وقود وطائرات ومعدات رادار واتصالات ودفاع جوي.

كما أقر تقرير رسمي لمفتش عام وزارة الدفاع الأمريكية، نُشر في سبتمبر، بأن الضربات الإيرانية ألحقت أضرارًا بمئات المباني والمنشآت في قواعد أمريكية بالكويت والبحرين وقطر والإمارات والسعودية والعراق وعُمان والأردن.

وأشار التقرير إلى أن القاعدة البحرية الأمريكية في البحرين، وهي مركز لوجستي مهم للعمليات الأمريكية في المنطقة، تعرضت لهجمات بصواريخ باليستية وطائرات مسيرة، واضطرت القيادة الأمريكية إلى تحويل بعض خطوط الإمداد إلى مراكز بديلة أبعد، بما أدى إلى دورات لوجستية تمتد بين 14 و18 يومًا.

التحول لا يتعلق بالعراق وحده

وفي أغسطس 2026، أفادت صحيفة “واشنطن بوست” بأن وزارة الدفاع الأمريكية كانت تدرس تقليص الوجود العسكري في الخليج وإعادة النظر في مستقبل القواعد التي تعرضت لضربات خلال الحرب. وأشارت الصحيفة إلى أن القواعد الأمريكية الكبيرة والدائمة في الخليج تعرضت لأشهر من الهجمات الإيرانية، وأن البنتاجون كان يبحث ما إذا كان ينبغي إعادة بناء بعض القواعد بالشكل الذي كانت عليه قبل الحرب، أو إعادة النظر في حجم الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.

وهنا تظهر نقطة أساسية في مستقبل الانتشار الأمريكي: لم يعد السؤال فقط هو كيفية حماية القواعد، وإنما أيضًا مدى جدوى استمرار وجود أعداد كبيرة من القوات في منشآت ثابتة يمكن أن تصبح أهدافًا في أي مواجهة جديدة.

فالقاعدة العسكرية تحتاج إلى منظومات دفاع جوي وصاروخي متقدمة، وإجراءات حماية مستمرة، وقدرات لوجستية ضخمة، ومع ذلك يمكن أن تتعرض لأضرار تؤثر في قدرتها على العمل. وهذا يفرض على واشنطن إعادة تقييم العلاقة بين مزايا الانتشار الثابت وتكاليفه ومخاطره.

الأردن محطة جديدة للقوات الأمريكية

في هذا السياق، يحمل انتقال قيادة عملية “العزم الصلب” إلى الأردن دلالة على إعادة توزيع القوات الأمريكية أكثر من كونه انسحابًا كاملًا من المنطقة، فواشنطن لم تغادر الشرق الأوسط، وإنما تعيد ترتيب انتشارها العسكري، بينما يصبح العراق أقل اعتمادًا على الوجود الأمريكي المباشر.

لكن الأردن نفسه لم يكن بعيدًا عن تداعيات الحرب، فقد أظهرت التقارير تعرض مواقع وقوات أمريكية في المنطقة لهجمات، ما يعيد طرح حدود فكرة “الموقع الآمن”.

فزيادة المسافة عن إيران قد تقلل بعض المخاطر، لكنها لا تعني بالضرورة الحصانة من الصواريخ والطائرات المسيرة، خصوصًا مع اتساع نطاق القدرات الهجومية الإيرانية.

هل بدأ الانسحاب الأمريكي من الخليج؟

وتشير التطورات إلى أن إعادة انتشار القوات الأمريكية لا تقتصر على العراق، فالقواعد الموجودة في البحرين والكويت وقطر والإمارات والسعودية تمثل منذ عقود أحد أعمدة الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط.

وقامت المعادلة الأمنية طوال سنوات على وجود القوات الأمريكية في قواعد ثابتة، مقابل توفير مظلة أمنية للدول المضيفة وردع الخصوم الإقليميين.

لكن الحرب الأخيرة أظهرت الوجه الآخر لهذه المعادلة؛ فالدولة التي تستضيف قاعدة أمريكية تحصل على مستوى أكبر من الحماية والردع، لكنها تصبح في الوقت نفسه جزءًا من خريطة الأهداف المحتملة عندما تدخل واشنطن في مواجهة عسكرية مع إيران.

وتكشف الأضرار التي أعلنت عنها الجهات الأمريكية أن المسألة لم تعد افتراضية، فقد تضررت منشآت أمريكية في عدة دول خليجية وعربية، واضطرت القوات الأمريكية في بعض الحالات إلى نقل الإمدادات وإعادة توزيع القوات والمعدات.

دروس فيتنام وأفغانستان

وكلما انسحبت القوات الأمريكية من مسرح عسكري كبير، تعود إلى الواجهة تجربتا فيتنام وأفغانستان، ففي فيتنام انتهى التدخل الأمريكي بانسحاب ترك آثارًا سياسية وعسكرية واسعة على صورة القوة الأمريكية، بينما انتهى الوجود العسكري الأمريكي في أفغانستان عام 2021 بانسحاب أثار نقاشًا واسعًا حول الحروب طويلة المدى وكيفية إدارة نهاياتها.

لكن المقارنة بين العراق وفيتنام أو أفغانستان تظل محدودة، فلكل حرب ظروفها وأهدافها وطبيعة وجود القوات فيها. ولذلك فإن خروج القوات من العراق لا يمثل -بحد ذاته- دليلًا على تكرار التجربتين، لكنه يضيف إلى سجل الانسحابات وإعادة الانتشار الأمريكية خلال العقود الأخيرة.

سقوط نظرية “المظلة الأمريكية”

كما أن الحرب على إيران لا تعني أن المظلة الأمنية الأمريكية سقطت بالفعل؛ فالولايات المتحدة لا تزال تملك قوات وقدرات عسكرية كبيرة في المنطقة، لكنها وضعت “نظرية الحماية” الأمريكية أمام اختبار حقيقي، فالدول التي تستضيف قواعد أمريكية كانت تنظر إلى الوجود العسكري الأمريكي باعتباره عنصرًا من عناصر الردع، بينما أظهرت المواجهة أن هذه القواعد يمكن أن تصبح نفسها أهدافًا عسكرية.

وهنا تظهر معادلة معقدة؛ فوجود أمريكي أكبر يعني قدرة أكبر على الردع والحماية، لكنه قد يعني أيضًا تعرض الدولة المضيفة لخطر أكبر في حال اندلاع مواجهة أمريكية مع إيران. وقد يدفع ذلك دول الخليج إلى إعادة النظر في مفهوم الاعتماد الأمني، ليس بالضرورة عبر قطع العلاقات العسكرية مع واشنطن، وإنما من خلال زيادة قدراتها الدفاعية الذاتية، وتنويع شراكاتها، وعدم الاعتماد على القوات الأمريكية وحدها.

القواعد التي لم تعد آمنة

والمشكلة التي كشفتها الحرب ليست في عدد الجنود فقط، وإنما في مفهوم القاعدة العسكرية الثابتة، فالقاعدة التي كانت تمنح واشنطن قدرة على الاستمرار في العمليات أصبحت، في عصر الصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيرة، هدفًا يمكن ضربه من مسافات كبيرة.

ولهذا قد يتجه التخطيط العسكري الأمريكي إلى توزيع القوات، وتقليل التجمعات الكبيرة، وتعزيز الحركة، وإخفاء بعض القدرات، واستخدام قواعد ومواقع متعددة بدل الاعتماد على منشأة واحدة ضخمة.

ومن هذه الزاوية، يصبح الانسحاب من العراق جزءًا من تحول أوسع في طريقة إدارة الولايات المتحدة لحضورها العسكري في المنطقة، وليس بالضرورة نهاية لهذا الحضور.

فالمسألة في النهاية لا تتعلق فقط بخروج قوات من قاعدة أو انتقال قيادة من دولة إلى أخرى، وإنما بإعادة تعريف وظيفة الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط في ظل بيئة أمنية أصبحت فيها القواعد الثابتة أكثر عرضة للاستهداف.

زر الذهاب إلى الأعلى