فلسطين والتحولات الإقليمية

محمد علوش
يدخل الشرق الأوسط مرحلة من التحولات العميقة، لا تبدو معها المنطقة مقبلة على مجرد تبديل في التحالفات أو إعادة توزيع للنفوذ، بل على إعادة تشكيل تدريجية لمعادلات القوة وأدوار الدول وحدود تأثير القوى الدولية، فالحروب الممتدة، والأزمات المتراكمة، والتوترات بين القوى الإقليمية، وتراجع بعض أنماط الحضور الأمريكي المباشر، تفتح جميعها الباب أمام نظام إقليمي جديد لم تتبلور ملامحه النهائية بعد.
ويأتي الانسحاب العسكري الأمريكي من العراق، الذي اكتمل في 30 أيلول/سبتمبر، في هذا السياق باعتباره مؤشرًا على تغير في أدوات الحضور الأمريكي، لا على انتهاء الدور الأمريكي في المنطقة، وبالتوازي، تتجه دول عربية إلى تنويع علاقاتها وشراكاتها الأمنية والسياسية، في محاولة للتعامل مع بيئة إقليمية أكثر اضطرابًا وأقل قابلية للضبط من مركز واحد.
لكن وسط هذه التحولات، تبرز إسرائيل باعتبارها طرفًا يسعى بصورة حثيثة إلى تثبيت موقعه كقوة إقليمية مركزية، وليس مجرد دولة ذات تفوق عسكري داخل الإقليم، فمنذ سنوات، تعمل إسرائيل على توسيع شبكة علاقاتها العربية والإقليمية، والاستفادة من موقعها لدى الولايات المتحدة، ومن تفوقها العسكري والتكنولوجي، ومن التحولات التي أحدثتها الحروب والصراعات في بنية المنطقة، لتقديم نفسها باعتبارها جزءًا من منظومة الأمن الإقليمي ومحددًا من محددات توازناته، غير أن هذه المحاولة تصطدم بتناقض جوهري: كيف يمكن لإسرائيل أن تسعى إلى بناء دور إقليمي مستقر، فيما تواصل احتلال الأرض الفلسطينية وتوسيع المستوطنات وفرض وقائع جديدة في الضفة الغربية، وتتعامل مع قطاع غزة من منظور أمني وعسكري؟ فالاستقرار الإقليمي لا يمكن أن يقوم على استثناء القضية الفلسطينية من معادلة الأمن، ولا يمكن أن يتحول الاحتلال إلى قاعدة لنظام إقليمي جديد.
وهنا تحديدًا تتكشف أهمية فلسطين في التحولات الجارية، فالمسألة ليست فقط في حجم الحرب على غزة أو في مستقبل القطاع، وإنما في محاولة إعادة تعريف القضية الفلسطينية نفسها، من قضية تحرر وطني وحق في تقرير المصير إلى ملف أمني، أو إنساني، أو اقتصادي، يمكن التعامل معه بعيدًا عن جذور الصراع السياسية والتاريخية، وقد أثبتت التجربة أن إدارة الصراع لا تنهي الصراع، فكلما جرى تأجيل الأسئلة الأساسية المتعلقة بالاحتلال والاستيطان والقدس واللاجئين والدولة الفلسطينية، تراكمت عوامل الانفجار، واليوم، بينما تتحدث الأطراف الدولية عن إعادة إعمار غزة وترتيبات ما بعد الحرب، تؤكد الأمم المتحدة أن التعافي في القطاع لا يمكن فصله عن المسار السياسي، وأن غزة والضفة الغربية يجب أن تبقيا موحدتين سياسيًّا واقتصاديًّا وإداريًّا ضمن إطار فلسطيني واحد.
وفي الضفة الغربية، يجري الأمر في الاتجاه المعاكس تمامًا، فالاستيطان يتوسع، والعنف يتصاعد، وعمليات التهجير ومصادرة الأراضي تتواصل، بما يخلق وقائع على الأرض تهدد إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة، وقد وصفت الأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر التطورات في الضفة بأنها تقوض بصورة متزايدة الأسس اللازمة لقيام دولة فلسطينية ذات سيادة، وهنا تكمن المفارقة، ففي الوقت الذي يجري فيه الحديث عن إعادة ترتيب المنطقة وبناء منظومة أمن إقليمي جديدة، يجري على الأرض تفكيك أحد أهم شروط الاستقرار، أي حل القضية الفلسطينية على أساس سياسي واضح، فلا يمكن بناء شرق أوسط مستقر فوق واقع الاحتلال، ولا يمكن إنتاج أمن دائم عبر تجاهل حقوق شعب بأكمله.
إن محاولات إسرائيل تعزيز دورها الإقليمي لا تنفصل عن سعيها إلى إعادة تعريف موقع القضية الفلسطينية في الإقليم، فكلما أصبحت العلاقات الإسرائيلية ـ العربية أكثر اعتيادًا، وكلما انتقلت إسرائيل من موقع الخصم إلى موقع الشريك الأمني أو التكنولوجي لدى بعض دول المنطقة، يصبح خطر تطبيع الاحتلال نفسه أكثر حضورًا، ما لم يقترن الانفتاح الإقليمي بموقف واضح من الحقوق الوطنية الفلسطينية، لكن المنطقة ليست صفحة مفتوحة أمام مشروع واحد، فالقوى العربية والإقليمية والدولية تعيد حساباتها، وتبحث عن ترتيبات أكثر استقلالًا وتوازنًا، فيما تتسع الحاجة إلى منظومة أمن إقليمي لا تقوم على الهيمنة أو الاستقطاب، بل على احترام سيادة الدول وعدم التدخل وحل النزاعات بالوسائل السياسية، وفي هذا السياق، فإن مستقبل المنطقة لن تحدده القوة العسكرية وحدها، مهما بلغت قدرتها على فرض الوقائع.
أما فلسطين، فلا يجوز أن تكون مجرد متلقية لهذه التحولات، وإن استعادة المبادرة الوطنية الفلسطينية أصبحت أكثر إلحاحًا، ليس فقط لمواجهة الاحتلال، وإنما لمنع تحويل القضية إلى مجموعة من الملفات المنفصلة: غزة للإعمار، والضفة للإدارة، والقدس للتفاوض المؤجل، واللاجئون للمعالجة الإنسانية، والدولة الفلسطينية لوعد مفتوح على المستقبل، والمطلوب هو إعادة القضية إلى مركزها السياسي، بالعمل على إنهاء الاحتلال، ووقف الاستيطان والضم، وصون وحدة الأرض الفلسطينية، وإنهاء الانقسام، وتوحيد المؤسسات والقرار الوطني، وفتح مسار سياسي جاد يفضي إلى تجسيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967 وعاصمتها القدس، وفق القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، فالشرق الأوسط يتغير، لكن تغيير موازين القوى لا يعني بالضرورة تغيير طبيعة القضايا، وقد تنسحب جيوش، وتتبدل تحالفات، وتظهر ترتيبات أمنية جديدة، لكن الاحتلال لا يصبح مشروعًا للاستقرار بمجرد إدماجه في منظومات إقليمية.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط، من سيقود الشرق الأوسط الجديد؟ بل أي شرق أوسط نريد؟ شرق أوسط تدار أزماته بالقوة وتهمّش فيه فلسطين، أم شرق أوسط جديد لا يمكن أن يستقر إلا على قاعدة العدالة والحقوق والسيادة وإنهاء الاحتلال؟ وفي الإجابة عن هذا السؤال تتحدد مكانة فلسطين، لا بوصفها قضية من قضايا الإقليم فحسب، وإنما باعتبارها اختبارًا حقيقيًّا لطبيعة النظام الإقليمي الذي يتشكل الآن، ففلسطين ليست على هامش التحولات؛ إنها في قلب الصراع على مستقبل المنطقة.
