خلف قارعة الوجدان

بقلم / مريغان المنفي
لم يعد العالم الذي نعيش فيه يشبه العالم الذي عرفناه قبل عقد من الزمن. فالقواعد التي بدت لسنوات طويلة وكأنها ثابتة أخذت تتصدع تحت وطأة الحروب والصراعات الجيوسياسية والتنافس على الموارد والتحولات الاقتصادية والتكنولوجية وتراجع الثقة في المؤسسات الدولية. والمشكلة أن هذه التحولات لا تتوزع آثارها بالتساوي.
ففي الوقت الذي تمتلك فيه القوى الكبرى أدوات أوسع لامتصاص الصدمات وإعادة ترتيب مصالحها تجد أممٌ كثيرة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية نفسها في مواجهة عالم لا تملك دائمًا القدرة على التأثير في قواعده، لكنها تدفع ثمنًا متزايدًا لتغيراته.
تشير تقارير الأمم المتحدة لعام 2026 إلى تباطؤ النمو العالمي واستمرار الضغوط المالية والديون وتزايد عدم اليقين التجاري والجيوسياسي مع تعرض الاقتصادات النامية بصورة خاصة لضغوط التمويل والطاقة والتجارة. كما حذرت الأمم المتحدة من أن ارتفاع كلفة خدمة الدين يقلص الموارد المتاحة للتعليم والصحة والاستثمار والتنمية في عدد كبير من الدول النامية.
فوراء أرقام النمو والتضخم والدين وأسعار الطاقة يوجد إنسان، وخلف كل اضطراب في الأسواق توجد أسرة، وخلف كل أزمة سياسية يوجد جيل ينتظر مستقبلًا أكثر وضوحًا، وخلف كل دولة عاجزة عن اتخاذ قرار مستقل يوجد شعب يتساءل: إلى أي حد ما زلنا نملك حق تقرير مصيرنا؟ ذلك هو ما خلف قارعة الوجدان. (عالمٌ يعيد ترتيب نفسه).
نحن أمام مرحلة تتراجع فيها فكرة العالم المستقر ذي القواعد الواضحة لمصلحة عالم أكثر سيولة واضطرابًا. الصراع لم يعد عسكريًّا فقط؛ بل أصبح اقتصاديًّا وتقنيًّا ومعلوماتيًّا وطاقويًّا وأصبحت طرق التجارة وسلاسل الإمداد ومصادر الطاقة وأمن الغذاء أدوات في صراع النفوذ.
وقد أظهرت التطورات الدولية خلال عام 2026 كيف يمكن لصراع إقليمي أن يتحول بسرعة إلى أزمة ذات آثار عالمية من خلال الطاقة والنقل البحري والأسواق المالية والتجارة الدولية.
وفي مثل هذا العالم لا تعني هشاشة الدولة فقط ضعف جيشها أو مؤسساتها السياسية وإنما تعني أيضًا ضعف قدرتها على حماية اقتصادها وتأمين غذائها وإدارة مواردها والحفاظ على تماسك مجتمعها وصياغة سياسة خارجية تتعامل مع القوى المختلفة من موقع المصلحة الوطنية.
ولهذا فإن السؤال الذي تواجهه الدول الضعيفة أو الهشة لم يعد من معنا ومن ضدنا؟ بل أصبح: كيف نحافظ على حقنا في أن تكون لنا إرادة مستقلة في عالم تتصارع فيه إرادات كبرى؟ وهذا السؤال يتجاوز الحكومات إلى الشعوب نفسها.
الدول النامية لا تعيش الأزمات العالمية باعتبارها أخبارًا دولية بعيدة. إنها تعيشها في سعر الخبز وسعر الوقود وقيمة العملة وفرص العمل وكلفة التعليم والهجرة ومستوى الخدمات.
وهنا تكمن مفارقة العصر.. فالدول التي كانت أقل مساهمة في صناعة كثير من الأزمات العالمية قد تكون من أكثر الدول تعرضًا لنتائجها.
كلفة الإنتاج والنقل. واضطراب التجارة يضغط على العملات والاحتياطيات. والأزمات المناخية تضيف أعباء جديدة إلى دول تعاني أصلًا من ضعف البنية التحتية. ووفق بيانات الأمم المتحدة، فإن ارتفاع مدفوعات الفوائد أدى بين 2018 و2024 إلى تقليص حصة الإيرادات الحكومية المتاحة للإنفاق العام في 99 دولة نامية.. إنها ليست مجرد أزمة مالية.. إنها أزمة في القدرة على المستقبل.. فعندما تضطر الدولة إلى إنفاق جزء متزايد من مواردها على خدمة الدين فإن السؤال لا يصبح فقط: كيف نسدد ما علينا، بل يصبح: ماذا سنؤجل حتى نسدد.. كم مدرسة.. كم مستشفى.. كم مشروعًا.. كم فرصة عمل؟ وكم جيلًا سيجد نفسه يدفع تكلفة قرارات لم يكن طرفًا فيها؟
لقد حصلت معظم دول العالم النامي على استقلالها السياسي منذ عقود، لكن الاستقلال السياسي لا يعني بالضرورة الاستقلال الاقتصادي أو التكنولوجي أو الاستراتيجي.
قد يكون للدولة علم ونشيد وحدود وحكومة، لكنها تظل شديدة الحساسية لتقلبات الأسواق العالمية وللقروض الخارجية ولأسعار الغذاء والطاقة وللتكنولوجيا التي تستوردها وللممرات التجارية التي لا تسيطر عليها. ومن هنا يظهر الفرق بين سيادة الدولة بوصفها نصًّا قانونيًّا وسيادتها بوصفها قدرة فعلية.
فالسيادة ليست فقط أن ترفع الدولة علمها فوق مؤسساتها السيادة وأن تمتلك هامشًا حقيقيًّا من القدرة على اتخاذ القرار. لكن تحقيق هذه القدرة لا يكون بالانعزال عن العالم. بل بالعكس. الدولة القادرة هي التي تدخل العالم وهي تعرف ماذا تريد منه وما الذي تستطيع تقديمه وما الذي لا يمكنها التفريط فيه.
وفي العالم العربي تبدو المسألة أكثر تعقيدًا. فموجة الاحتجاجات التي بدأت عام 2010 وامتدت خلال السنوات التالية لم تكن مجرد سلسلة من الأحداث السياسية المنفصلة. فالشاب العربي الذي ولد بعد أحداث الربيع العربي ولم يرَ بعد الدولة التي حلم بها جيل سابق. والأفريقي الذي يعيش في بلد غني بالموارد لكنه لا يجد دائمًا نصيبًا عادلًا من ثروته. والآسيوي والأمريكي اللاتيني اللذان يكتشفان أن الاقتصاد العالمي يمكن أن يغير حياتهما دون أن يكون لهما صوت حقيقي في صناعة قواعده. هؤلاء هم الذين تقع خلفهم كل الأزمات.
ولهذا، فإن السياسة في جوهرها، ليست لعبة بين الحكومات، السياسة هي إدارة حياة البشر. وعندما تفشل السياسة لا يسقط جدول أو مؤسسة فقط. يسقط شيء في وجدان الإنسان. تسقط ثقته بأن الدولة يمكن أن تحميه. وتسقط ثقته بأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل. وتسقط أحيانًا ثقته بأن الوطن نفسه قادر على أن يمنحه معنى.
إن الأحداث السياسية الكبرى لا تنتهي عندما تنتهي المؤتمرات، ولا عندما تتغير الحكومات، ولا عندما تتوقف المعارك. إنها تترك أثرًا في وجدان الشعوب، والشعوب التي عاشت سنوات من الانقسام والحروب والخيبات لا تحتاج فقط إلى مؤسسات جديدة؛ تحتاج أيضًا إلى استعادة إيمانها بإمكان المستقبل. وهذه ربما تكون المهمة الأصعب.. فالعالم يعيد ترتيب نفسه.. والقوى الكبرى تعيد تعريف مصالحها. والاقتصاد العالمي يدخل مرحلة من عدم اليقين. والدول النامية تواجه ضغوطًا متزايدة. والمنطقة العربية لم تغلق بعد ملفات المرحلة التي بدأت قبل أكثر من عقد ونصف. لكن خلف كل ذلك يقف الإنسان، ينتظر أن تتحول السياسة من صراع على السلطة إلى وسيلة لحماية حياته وكرامته ومستقبله.
وهنا.. في المسافة بين ما يحدث في العالم وما يشعر به الإنسان تبدأ السياسة الحقيقية. فما يطرق وجدان الشعوب اليوم قد يكون هو نفسه ما يحدد شكل دولها غدًا.
