سيكولوجية الانقياد وثقافة القطيع

أبوصاع زامونة
كانت وما زالت التجمعات البشرية تدور في فلك واحد، وتنجذب طوعًا وكرهًا إلى المنطق الجمعي، وتنصهر في بوتقته، وتذوب في وعائه، ليس لأنه على صواب ويتسم بالمثالية والعقلانية والرصانة والكياسة والرأي السديد، بل بدافع الخوف من العقاب المجتمعي والشعور بالأمان وعدم إعمال العقل وإهماله، فالشعور بالأمان السلبي الذي تنتهجه هذه المجاميع يتلخص في تبني أفكار الآخرين أي (القطيع)، دونما أدنى تفكير في مصدرها وجدواها وصدقيتها.
ويعمد القطيع البشري في هذه الحالة إلى عدم فلترة هذه الأفكار وتمريرها على العضو المعطل والمقال عند القطيع والذي يسمى (بالعقل)، فهو في حالة سكون دائم، والعلاقة الفسيولوجية بينه وبين باقي أعضاء الجسد تكاد تكون معدومة، لا لشيء إلا لأن الجسد يتحرك بالتوازي مع الأجسام المحيطة والملتصقة به، وهي تشبه إلى حد كبير أسراب الطيور المهاجرة في تناغمها وانسيابية حركتها وانقيادها الأعمى نحو المجهول، وهي باعتقادي عملية انتحار جماعي، لأن تغييب العقل وطمسه من خلال الخضوع والإذعان المطلق لعقل الآخر وسيطرته هو جرم لا يغتفر في حق ذاتك وإنسانيتك التي حباها الله واصطفاها ووهبها عقلًا للتدبر والتأمل والتحليل والتفكر بمعزل عن عوامل التأثير المختلفة التي تصنع منك إمعة يتحدث ويتحرك ويتخذ قراراته وفقًا لأذنيه كبديل عن العقل.
والفرد في مجتمعنا العربي ولا سيما المجتمعات التي يغلب عليها طابع البداوة قاموا بتكبيله ووضع الأصفاد على معصميه بحيث لا يستطيع منها فكاكًا، وهو ملزم باتباع سلوك القطيع من المهد إلى اللحد، وإن حدث وشذ عن هذه القواعد والقيود الجمعية، فإنه يصبح مارقًا ومتمردًا، ولا يستحق العيش في كنف تلك الجماعة، ويحكم عليه بالنبذ والخلع والإقصاء والنفي، كما حدث مع القاضي والفقيه والفيلسوف العلامة ابن رشد، حيث نفي من قبل الخليفة المنصور إلى حارة اليهود في المغرب، قرية (أليسانة)، لأن العالم ابن رشد رفض إهمال العقل وعارض ما ذهب إليه الخليفة وحواريوه في مسائل جمة (مع تحفظنا على بعض أفكاره)، فأمر الخليفة الرعية (القطيع) آنذاك بمقاطعة كتب ابن رشد وحرقها، وبحرقها احترقت آمال الأمة العربية والإسلامية بالتخلص من ثقافة العقل الجمعي التي أصبحت متجذرة ومتوارثة منذ ذلك الحين بسبب جهل الحكام وتعنتهم واستخفافهم بالعقول ظنًّا منهم بأن وأدهم للأفكار وإقصاءهم للمفكرين سبيلهم إلى الخلود ونجاتهم من مراتع الدود.
لكن ثمرة علوم ابن رشد في الطب والفلسفة والفلك والجغرافيا وعلوم الكلام وغيرها تم قطفها من قبل الأوروبيين بعد أن تحصلوا على نسخ منها وعملوا على تطويرها وتحديثها والبناء عليها، ولم ينكروا فضل العلامة الأندلسي المنشأ العربي الأصل، فقد أنشأوا مدارس تحمل اسمه كالمدرسة الرشدية اللاتينية وغيرها، وأصبحت بعدئذ أوروبا التي نراها اليوم بفضل تبنيها لأفكار العالم العربي ابن رشد بعد أن كانت تسبح في ظلام الجهل والفقر والتخلف تخلصت من عقلية الخراف واستثمرت في العقول وجادت قريحة الفلاسفة والعلماء والمفكرين من أمثال فرانسوا رابليه وغوستاف لوبون وويليام هاملتون ورينيه ديكارت وإميل دوركايم ووليام شكسبير وغيرهم ممن حاربوا هذه الظاهرة عندما كانت ظاهرة منذ حوالي تسعة قرون، فقد كان لنظرياتهم الأثر الإيجابي في تحرير العقول وردها إلى سيرتها الأولى على الفطرة السليمة كما خلقها الله، لأن الله سبحانه وتعالى ميز الإنسان عن كافة المخلوقات بالعقل، ولكن المتسلطين على رقاب الشعوب، سواء أكانت سلطتهم سياسية أم اجتماعية أم دينية، دأبوا على مر العصور على تركيع تلك العقول والاستحواذ عليها وإيهامها بشعارات زائفة وتعطيلها وتنويمها، وهنا نستذكر قول الروائي الفرنسي (ستندال) إن الراعي يسعى بشكل دائم إلى إقناع الخراف بأن مصالحها ومصلحته واحدة، وهذا منافٍ للواقع عند العقلاء، لأن فيه امتهانًا لكرامة الإنسان وإفراغه من محتواه وقتل روح الإبداع والتفكير النقدي لديه، ومن ثم يتحول إلى روبوت يتحرك بحسب البيانات التي تم حشوها بداخله ولا يخالفها قيد أنملة، وهذا يقودنا إلى التسليم بأننا نعيش عصرًا من العبودية المدجنة.
وما يزيد الأمر سوءًا هو عدم دراية تلك الأنعام الناطقة بأنها موجهة ومسلوبة الإرادة ومجردة من أبسط الحقوق ومعاملتها معاملة القصَّر وفاقدي الأهلية وممارسة الولاية الأبدية عليها، فالفرد من القطيع ومن فقد عقله (المجنون) سيان، لأنهما يلتقيان ويتوافقان في سلوكهما المترتب على غياب العقل وذهابه إلى غير رجعة ومكوثهما الدائم في حالة اللاوعي وإنكار الذات يجعلهما في مصاف الأنعام، بل هم أضل سبيلا، فالأمم والأوطان تبنى وتنهض وتقوم بأصحاب العقول والمفكرين، ولا تقوم بالجهلة والحمقى والمترددين والمرتجفين ممن يشار إليهم بالبنان وتقتفي أثرهم الجموع، وهم في حقيقتهم كمثل الحمار الذي يحمل أسفارًا على ظهره ولا يفقه منها شيئًا، فالأيادي المرتعشة لا تبني وطنًا والعقول المجمدة تتحلل وتتلاشى، فحشد العقلاء كما قال أحد المفكرين أمر معقد للغاية، أما حشد القطيع فلا يحتاج سوى راع وكلب.
