حرب ضد الذاكرة

(الجزء الثاني)
بقلم: محمد عبد القادر
تتخذ السردية الاستعمارية المعارضة للرموز الثورية أنماطًا نفسية واستشراقية خبيثة؛ تبدأ بـ«التأطير النفسي» عبر إلباس القائد الشجاع صفات المغامر غير العقلاني أو “المتطرف” و”الدموي” لمحو مظلومية قضيته، وتنتقل إلى «الاستيلاء على الرمز عبر التسطيح»؛ بإعادة إخراج القادة كرُموز “سلام مجردة” مفصولة عن خلفيتهم الثورية الكفاحية، أو تحويلهم إلى أيقونات تجارية فرغت من محتواها الراديكالي كما فعلوا مع تشي جيفارا بأن وضعوا صورته على ملابس الشباب.
وبتتبع مسار الرموز من أقصى الشرق إلى عمق أفريقيا والوطن العربي، تتكشف آليات التشويه بوضوح:
فماو تسي تونغ: حوّلت السردية الغربية إرثه الموحد للصين إلى شخصية دكتاتورية تُحمَّل مسؤولية كل الكوارث، مع تغييب تام للقفزة السيادية والصناعية المؤسسة للصين الحديثة.
هو شي منه: جرت محاولات مستمرة لشيطنته وتأطيره كـ”وكيل أيديولوجي” بدل رمز التحرر الذي هزم أكبر إمبراطورية عسكرية وهي فرنسا في ذاك الحين.
تشي غيفارا: حورب بالاختزال في صورة “القاتل” حينًا، وبالتسليع التجاري لقمصان تحمل صورته لإفراغ فكره المعادي للرأسمالية من جوهره حينًا آخر.
الشيخ عز الدين القسام: ركّز إعلام الاحتلال والانتداب على وصمه بـ”الإرهاب الديني” لتجريد حركته المقاومة من مشروعيتها التحررية.
الأمير عبد القادر الجزائري: اختُزلت ملاحمه في صورة “العدو المنهزم” أو حُصر أثره في فترة أسره بدمشق، لإغفال فكره المقاوم الملهم لثورة التحرير.
الأمير عبد الكريم الخطابي: صوَّر الاستعمار ثورته المظفرة كـ”حرب عصابات بدائية” متجاهلين مبتكراته العسكرية ومفهومه المتقدم للتحرر.
سلطان باشا الأطرش: حاول الاستعمار الفرنسي تقزيم ثورته عبر إشعال الفتن الطائفية وتصويرها كتحرك إقليمي محدود، متجاهلين شمولية رؤيته “الدين لله والوطن للجميع”.
جمال عبد الناصر: شُنّت ضده أشرس الحملات لتشبيهه بـ”دكتاتور الشرق” محاصرةً لمشروعه القومي، وتغطيةً لإنجازاته في استرداد الثروات الوطنية.
نيلسون مانديلا: ظل في قوائم الإرهاب الغربية طويلًا، وحين فرضت الشعوب انتصاره انتقلت آلة الدعاية الغربية لـ”تدجين الرمز” وإبرازه كقديس متسامح فقط، ومحو تاريخه كثوري مناهض للإمبريالية ومؤسس وقائد لجناحها المسلح.
إن هذه الحرب على الذاكرة ليست قراءة تاريخية، بل استثمار سياسي يدرك تمامًا أن الشاب الذي يقرأ تاريخ هؤلاء القادة كرموز للسيادة، سيتشكل لديه وعيٌ عصيٌّ على الاستعباد.
من هنا، فإن الواجب الفكري للشعوب الحية لا يقتصر على الدفاع العاطفي، بل يمتد لإعادة كتابة التاريخ بعيون وطنية مستقلة، ونقد التجربة النضالية بواقعية بعيدًا عن فخاخ الرواية الاستعمارية.
إن صيانة الإرث الثوري هي الضمانة الوحيدة لولادة أجيال تجيد حمل المشعل على ذات الدرب.
