المطابقة الإلكترونية وأثرها في الحق الضماني- الجزء الأول

غادة الصيد
حدود وقف المعاشات والمنافع في القانون: في زمن أصبحت فيه ضغطة زر قادرة على تغيير حالة ملف كامل في قاعدة بيانات، لم تعد الرقمنة مجرد وسيلة لتسهيل العمل الإداري، وإنما أصبحت جزءًا من صناعة القرار نفسه. وفي مجال الضمان الاجتماعي، تبدو هذه المسألة أكثر حساسية؛ لأن الأمر لا يتعلق ببيانات تجارية أو معاملات عابرة، وإنما بمعاش أو منفعة قد يكونان المورد الوحيد الذي يعتمد عليه المواطن وأسرته في مواجهة أعباء الحياة.
ومن هنا جاءت المطابقة الإلكترونية باعتبارها وسيلة حديثة للتحقق من بيانات المستفيدين، ومراجعة أوضاعهم، والتأكد من استمرار شروط استحقاقهم للمعاشات والمنافع الضمانية. ولا خلاف في أن هذه الوسيلة يمكن أن تؤدي دورًا مهمًّا في حماية أموال الضمان، وكشف حالات الصرف غير المستحق، وتصحيح البيانات، وتحقيق قدر أكبر من الدقة والسرعة في العمل الإداري.
لكن السؤال الذي يستحق التوقف أمامه ليس: هل نحتاج إلى المطابقة الإلكترونية؟ وإنما: ما الأثر القانوني الذي يمكن أن يترتب عليها؟ فإذا أظهرت المنظومة الإلكترونية أن بيانات أحد المستفيدين غير متطابقة، فهل يعني ذلك بالضرورة أن حقه في المعاش أو المنفعة قد انتهى؟ وهل يجوز أن يتحول عدم التطابق الإلكتروني، بمجرد ظهوره على شاشة الحاسوب، إلى قرار بوقف معاش أو منفعة مقررة أصلًا بموجب القانون؟
وهنا ينبغي أن نفرق بين أمرين: بين البيان الإلكتروني وبين الحق القانوني. فالبيانات وسيلة لإثبات الوقائع أو الكشف عنها، أما الحق الضماني فمصدره القانون، ومن ثم فإن ظهور عبارة «غير مطابق» لا ينبغي أن يفهم في حد ذاته باعتباره حكمًا قانونيًّا بزوال الاستحقاق.
وهذه المسألة ليست مجرد وجهة نظر في كيفية استخدام التكنولوجيا، وإنما لها أساس في التشريع نفسه؛ فقد أحاط قانون الضمان الاجتماعي رقم (13) لسنة 1980م الحقوق الضمانية بحماية واضحة، إذ قرر عدم جواز إسقاط أو وقف حقوق المضمون أو المستحقين عنه في المعاشات والمنافع الضمانية إلا في الحدود التي يقررها القانون واللوائح الصادرة بمقتضاه.
وهذا يعني أن سلطة الإدارة في وقف المعاش ليست سلطة مطلقة، وإنما سلطة مقيدة بالنص القانوني وبالسبب الذي حدده المشرع. وهنا تظهر أهمية المطابقة الإلكترونية في موضعها الصحيح؛ فهي أداة للتحقق وليست مصدرًا مستقلًّا لإنشاء أسباب جديدة لوقف الحقوق.
