مقالات الرأي

هل تخفي التقارير الدولية حقيقة مياه ليبيا؟


يوسف امحمد الشريف

تتكرر في السنوات الأخيرة عبارات تصف ليبيا بأنها واحدة من أكثر دول العالم معاناة من شح المياه، وتظهر هذه الصورة في تقارير دولية كثيرة، حتى بات بعض المتابعين يعتقدون أن البلاد تكاد تخلو من الموارد المائية. لكن النقاش العلمي يحتاج إلى قدر أكبر من الدقة: ليبيا بالفعل تعاني شحًا في المياه المتجددة، لكنها في الوقت نفسه تمتلك مخزونات ضخمة من المياه الجوفية العميقة، بعضها أحفوري وغير متجدد، وهو ما يجعل وصف المشهد الليبي بأنه «فقر مائي» فقط وصفًا ناقصًا، بينما وصف ليبيا بأنها «غنية بالمياه» من دون توضيح نوع هذه المياه قد يكون مضللًا أيضًا.

منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة تشير إلى أن نحو 93% من مساحة ليبيا تتلقى أقل من 100 مليمتر من الأمطار سنويًّا، وأن البلاد تعتمد بدرجة شبه كاملة على المياه الجوفية الأحفورية غير المتجددة. وتقدر الفاو الموارد المائية المتجددة بنحو 111,5 مترًا مكعبًا للفرد سنويًا وفق بيانات عام 2015، وهو مستوى أقل بكثير من حد الندرة المطلقة البالغ 500 متر مكعب للفرد سنويًّا. هذه الأرقام تفسر لماذا تضع المؤسسات الدولية ليبيا ضمن الدول التي تواجه ضغطًا مائيًّا شديدًا.

لكن هذه الصورة لا تعني أن ليبيا «بلا مياه». ففي أعماق الصحراء توجد أنظمة مائية جوفية ضخمة، من بينها نظام الحجر الرملي النوبي ونظام شمال غرب الصحراء، وتمتد بعض الطبقات الجوفية عبر الحدود مع مصر وتشاد والسودان والجزائر وتونس. وقد أكدت اليونسكو وجود تعاون واتفاقات دولية بشأن عدد من هذه الخزانات العابرة للحدود، ومنها النظام النوبي ونظام شمال غرب الصحراء. كما أن مشروع النهر الصناعي العظيم قائم أساسًا على استخراج ونقل مياه جوفية أحفورية من خزانات عميقة في الجنوب إلى المدن والمناطق الزراعية في الشمال.

إذن أين تكمن المشكلة؟ المشكلة في استخدام كلمة «غنية» أو «فقيرة» من دون تحديد المقصود. المياه الجوفية الأحفورية ليست نهرًا جاريًا تحت الأرض بالمعنى الحرفي، بل مياه مخزنة داخل طبقات وتكوينات جيولوجية على مدى فترات زمنية طويلة. وقد تكون كمياتها هائلة، لكنها لا تتجدد بالمعدل الذي يسمح باستهلاكها بلا حدود. ولهذا فإن وجود احتياطي جوفي ضخم لا يعني وجود مورد مستدام إلى الأبد.

والتقارير الدولية نفسها لا تتجاهل هذه الحقيقة. فالبنك الدولي يشير إلى أن ليبيا تمتلك مخزونات كبيرة من المياه الأحفورية، لكنه يوضح في الوقت ذاته أن هذه الموارد غير متجددة، وأن المياه الجوفية تعرضت للاستغلال غير المستدام، بينما يعتمد أكثر من 95% من إمدادات المياه الليبية على المياه الجوفية وفق تقييمات منشورة لديه.

والأخطر أن بعض الخطاب الإعلامي يخلط بين «المخزون المائي» و«المورد المائي السنوي المتجدد». هناك فرق علمي كبير بين أن نقول إن باطن الأرض يحتوي على كميات ضخمة من المياه، وبين أن نقول إن البلاد تستطيع سحب هذه الكميات كل عام من دون استنزاف الخزانات. وبحسب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، يعتمد النهر الصناعي إلى حد كبير على طبقات مياه جوفية غير متجددة، كما أن تغير المناخ والجفاف والاستخدام غير المستدام وتهالك البنية التحتية كلها عوامل تزيد الضغط على المياه.

وفي المقابل، من المهم أيضًا مساءلة بعض التقارير الدولية عن جودة البيانات وحداثتها وطريقة عرض المؤشرات. فقد أشار البنك الدولي إلى وجود فجوات كبيرة في بيانات قطاع المياه الليبي، وإلى أن بعض التقديرات السابقة اعتمدت على بيانات متفرقة وافتراضات مكتبية بسبب ضعف قواعد البيانات وصعوبة تقييم البنية التحتية والمؤسسات. وهذا لا يعني أن التقارير الدولية خاطئة بالضرورة، لكنه يعني أن الأرقام يجب أن تُقرأ في سياقها الزمني والمنهجي، وأن ليبيا تحتاج إلى قاعدة وطنية حديثة للموارد المائية تعتمد على الاستشعار عن بعد ونظم المعلومات الجغرافية وقياسات الآبار وتحاليل المياه ونمذجة الخزانات الجوفية.

كما أن هطول الأمطار، رغم محدوديته، ليس معدومًا؛ فالأودية الموسمية والسدود والمياه الساحلية والتحلية وإعادة الاستخدام تشكل أجزاء من منظومة مائية أوسع. لكن هذه المصادر لا تعمل بالوزن نفسه ولا تنتشر جغرافيًّا بالتساوي، لذلك لا يمكن جمعها في رقم واحد ثم اعتبارها كلها متاحة للاستهلاك.

ومن هنا، فإن وصف ليبيا بأنها «دولة بلا مياه» ليس دقيقًا، كما أن القول إنها تمتلك «أنهارًا جوفية لا تنضب» ليس دقيقًا علميًّا كذلك. الحقيقة تقع بين التعبيرين: ليبيا تملك ثروة جوفية استراتيجية ضخمة، لكنها تعتمد بدرجة كبيرة على مورد غير متجدد، بينما مواردها المتجددة محدودة للغاية. وفي عام 2026، وصفت الاستراتيجية الوطنية للأمن المائي التي أُطلقت بدعم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي اعتماد ليبيا على أكثر من 90% من إمداداتها المائية على موارد جوفية غير متجددة، مع تحديات إضافية مرتبطة بالمناخ والبنية التحتية وارتفاع الطلب.

المطلوب إذن ليس الدخول في معركة شعارات بين من يقول إن ليبيا «صحراوية بلا ماء» ومن يقول إنها «بلد الأنهار الجوفية». الحقيقة العلمية أكثر تعقيدًا وأكثر أهمية. ليبيا تمتلك ثروة مائية جوفية هائلة، لكن التحدي هو كيفية إدارتها وحمايتها ومنع استنزافها وتحويلها إلى أمن مائي طويل الأمد، لا إلى استهلاك سريع لمخزون تشكل عبر آلاف السنين.

لقد أصبح من الضروري أن تنتقل ليبيا من خطاب «أزمة المياه» إلى خطاب «إدارة الثروة المائية». فحماية الخزانات الجوفية، والحد من الهدر، ومراقبة السحب الزراعي، وتوسيع تحلية مياه البحر وإعادة استخدام المياه المعالجة، وحماية الخزانات الساحلية من التملح، كلها سياسات أهم من الجدل حول وصف ليبيا بأنها فقيرة أو غنية بالمياه. وفي النهاية، قد لا تكون المشكلة أن ليبيا لا تملك المياه، بل إنها لم تبنِ بعد منظومة وطنية قادرة على معرفة أين توجد هذه المياه، وما نوعها، وكم يمكن استخدامه منها، وكيف نحافظ عليها للأجيال القادمة.

زر الذهاب إلى الأعلى