التعليم.. الاستثمار المُهمل

بقلم: عثمان الدعيكي
لم يكن انتشار المدارس في ليبيا منذ سبعينيات القرن الماضي، والتوسع في مجانية التعليم وبرامج محو الأمية، مجرد سياسة اجتماعية هدفها إتاحة مقعد دراسي لكل طفل، بل كان جزءًا من مشروع أوسع لبناء رأس مال بشري وطني قادر على إدارة مؤسسات الدولة وتشغيل قطاعاتها وتقليل اعتمادها على العمالة الأجنبية.
فليبيا التي خرجت من حقبة الاستعمار وهي تعاني مستويات مرتفعة من الأمية ونقصًا حادًّا في الكفاءات الوطنية، وجدت نفسها أمام دولة تحتاج إلى المعلمين والأطباء والمهندسين والفنيين والإداريين، في وقت لم يكن المجتمع قادرًا على توفير هذه الاحتياجات بالعدد والكفاءة المطلوبين.
ولهذا لم يكن التعليم المجاني ترفًا، ولا ما تنفقه الدولة عليه مجرد دعم اجتماعي، بل كان استثمارًا اقتصاديًّا طويل الأجل.
خلال عقود قليلة، انتشرت المدارس والمعاهد المهنية والتخصصية والجامعات، وأتيحت فرص الدراسة والتدريب في الداخل والخارج، بالتوازي مع برامج محو الأمية. وتشير بيانات البنك الدولي واليونسكو إلى أن معدل القدرة على القراءة والكتابة بين البالغين في ليبيا بعد هذه الإجراءات تجاوزت 90% في أغلب القياسات الحديثة، بعد أن كانت الأمية تضرب أطنابها بين أبناء الشعب الليبي عند تأسيس الدولة الحديثة، ولا سيما بين النساء.
لكن الأهم من الرقم هو ما تحقق اقتصاديًا. فكل مهندس أو طبيب أو معلم أو فني ليبي حل محل عنصر أجنبي كان يعني توطين وظيفة وخبرة، وتقليص جزء من الأموال التي كانت تتحول إلى الخارج في صورة أجور ومدخرات للعمالة الأجنبية. وبذلك أسهم التعليم بصورة غير مباشرة في الاحتفاظ بجزء من الدخل داخل الاقتصاد الوطني.
وهنا تكمن الفكرة التي يبدو أننا ابتعدنا عنها اليوم: التعليم ليس تكلفة على الخزانة بقدر ما هو استثمار في قدرة الاقتصاد على النمو والاستمرار.
وتؤكد الأدبيات الاقتصادية هذه العلاقة؛ إذ تشير دراسات البنك الدولي حول العائد على التعليم إلى أن كل سنة إضافية من الدراسة ترتبط، في المتوسط، بزيادة تقارب 9% في دخل الفرد مستقبلًا، مع اختلاف النسب من دولة إلى أخرى. ولذلك أصبح رأس المال البشري أحد المعايير المهمة في قياس قدرة الدول على تحقيق النمو طويل الأجل.
لكن المشكلة تبدأ عندما نضمن الوصول إلى المدرسة ولا نضمن جودة ما يحدث داخلها.
فالتوسع في التعليم الخاص في ليبيا خلال السنوات الأخيرة جاء، في جانب منه، نتيجة تراجع الثقة في المدرسة العامة، وأصبح كثير من الأسر يدفع مرة أخرى للحصول على خدمة يفترض أن الدولة توفرها وتمولها من المال العام.
وجود القطاع الخاص في التعليم ليس المشكلة في حد ذاته، ويمكن أن يكون مكملًا للتعليم العام إذا خضع لمعايير صارمة، لكن الخطر يبدأ عندما تتحول المدرسة إلى مشروع تجاري تحكمه معادلة الإيرادات والتكاليف وهامش الربح. فالمدرسة ليست مصنعًا يمكن تخفيض تكلفة منتجه دون حساب للنتائج؛ لأن المنتج هنا هو الإنسان، وأي خلل في تكوينه ندفع ثمنه لاحقًا في مؤسسات الدولة والاقتصاد والمجتمع.
وقد نحتاج سنوات حتى نكتشف أن الطبيب والمهندس والمحاسب والإداري والفني الذين تعتمد عليهم مؤسساتنا اليوم هم في الأصل مخرجات فصل دراسي أهملناه بالأمس.
ومن هذه الزاوية ينبغي النظر أيضًا إلى مطالب المعلمين بتحسين أجورهم. صحيح أن زيادة المرتبات تعني أعباء إضافية على الميزانية العامة، لكن الحساب الاقتصادي لا ينبغي أن يتوقف عند هذا الحد. فالسؤال المقابل هو: كم ستدفع الدولة مستقبلًا إذا استمر تراجع مكانة المعلم وجودة التعليم؟
ما تكلفة أن يفقد القطاع قدرته على استقطاب الكفاءات؟ وما تكلفة أن ينشغل المعلم بالبحث عن مصدر دخل إضافي بدلًا من تطوير أدائه؟ ثم ما تكلفة ضعف الإنتاجية والأخطاء الإدارية ونقص المهارات التي تظهر لاحقًا في مؤسسات الدولة؟
المفارقة أن الدولة قد تتردد في زيادة الإنفاق على قطاع يبني رأس المال البشري، بينما تستمر جهات ومؤسسات مترهلة في استهلاك موارد عامة لا تتناسب أحيانًا مع ما تقدمه للمواطن من خدمات.
لذلك، فإن تحسين أجور المعلمين يجب أن يكون جزءًا من إصلاح أوسع: أجر كريم مقابل تقييم حقيقي للأداء، وتأهيل مستمر، ومناهج حديثة، ورقابة صارمة على المدارس العامة والخاصة، وربط التعليم الفني والجامعي باحتياجات سوق العمل، وقياس جودة المخرجات بدلًا من الاكتفاء بأعداد الناجحين والشهادات الممنوحة.
أما التعليم الأساسي، فيجب أن يبقى في صميم مسؤولية الدولة باعتباره قطاعًا استراتيجيًّا وأداة لتحقيق تكافؤ الفرص، مع وجود القطاع الخاص كمكمل يخضع لمعايير جودة واضحة، لا كبديل تتخلى لصالحه الدولة عن مسؤوليتها.
لقد أدركت ليبيا مبكرًا أن الاستثمار في الإنسان هو الطريق لتوطين الوظائف وبناء مؤسسات الدولة. واليوم نحن بحاجة إلى استعادة الفكرة نفسها بمعايير هذا العصر.
فالمعلم الذي نراه اليوم واقفًا أمام ثلاثين طفلًا لا يؤدي وظيفة تنتهي بانتهاء الحصة. أمامه ثلاثون مشروع بين طبيب ومهندس وفني ومعلم ورجل أعمال وموظف ومسؤول.
وإذا كنا نحسب تكلفة راتبه اليوم، فمن الإنصاف أن نحسب أيضًا قيمة ما يصنعه للبلاد غدًا.
