مجلس الأمن.. قبل بناء الدولة

يبدو أن بعض متصدري المشهد السياسي والدبلوماسي في ليبيا يعيشون في دولة أخرى غير التي يعيش فيها الليبيون، فبينما تغرق البلاد منذ أكثر من عقد ونصف في أزمة سياسية وأمنية ومؤسسية عميقة، وتتنازعها مراكز السلطة، وتنتشر فيها الميليشيات والسلاح، وتثقلها التدخلات الأجنبية والمرتزقة والفساد والانقسام، يخرج من يعلن بكل جدية ترشح ليبيا لعضوية مجلس الأمن الدولي للفترة 2028–2029!!
ليست المشكلة في حق ليبيا في الترشح، ولا في أن يكون لها حضور دولي؛ فليبيا دولة عضو في الأمم المتحدة، وقد شغلت المقعد غير الدائم مرتين، آخرهما في 2008–2009، المشكلة في هذا التناقض الواضح بين صورة الدولة التي يريد أصحاب الترشح تقديمها للعالم، وحقيقة دولة ما زالت عاجزة عن توحيد مؤسساتها وصناعة قرار وطني واحد.
أي مفارقة أكبر من أن تطلب دولة لا تزال قضيتها تحت الوصاية مدرجة على جدول أعمال مجلس الأمن، وتخضع لقراراته، وتستضيف بعثة أممية، وتبحث عن توحيد مؤسساتها وإجراء انتخاباتها، أن تصبح عضوًا في المجلس الذي يناقش أزمات العالم ويصدر القرارات بشأنها؟ وقد أكد مجلس الأمن نفسه في سبتمبر الجاري أن توحيد المؤسسات وإجراء الانتخابات لا يزالان من الملفات الأساسية في ليبيا.
ثم بأي دولة ستذهب ليبيا إلى مجلس الأمن؟ دولة المؤسسات أم دولة الانقسام؟ دولة القرار الوطني أم دولة تعدد مراكز القرار؟ دولة القانون أم دولة السلاح؟
إنها ليست فقط مسألة توقيت غير مناسب، بل تكشف خللًا في ترتيب الأولويات.. قبل أن نطلب مقعدًا في مجلس الأمن، كان الأولى أن نبني دولة تستطيع أن تجلس على مقعدها الوطني بثبات.
فمجلس الأمن لا يصنع الدولة الليبية، الدولة الليبية هي التي كان ينبغي أن تصنع أولًا، ثم تبحث بعد ذلك عن مكانها في العالم.
