زيف النخبة

بقلم / خليفة احواس
أعرف أن المتعلم الذي يزهو بحمل شهادة الدكتوراة، ويغضب إذا خاطبته باسمه مجردًا بدونها، أنه غير المثقف، لم يكن الشيخ علي مصطفى المصراتي يحملها ولا قبله المفكر المصري عباس محمود عباس وهو رئيس مجمع اللغة العربية المصري الذي يكتظ بالدالات تعنيه، الثقافة هوية ومضمون حضوري تجعل صاحبها ينافح عنها وليس يتاجر بها، الثقافة مسطرة قاعدتها ثوابت أساسية لا تقبل المساومة ولا القسمة على اثنين، ولكم استحضرت كلامًا كان يردده على مسمعي أحد أصدقائي من المفكرين الكبار محذرًا من وجود الوعي السلبي والمثقف المزيف ممن لم أكن مقتنعًا به، لكن واقعنا الجديد دحض ذلك وبزني بالدليل والبرهان، حيث لم ألاحظ موقفًا نوعيًّا من هذه الثلة تجاه ما تعرض له الوطن من غزو يستهدف هويته وقوة نسيجه قبل قواعده الحربية واللوجستية، بل بالعكس زغردت النخبة لذلك ولم تكتف بالصمت السلبي، بل بعض أصواتها التي كانت تفتخر وتشكر بما تهيأ لها من دعم أنتج إبداعًا، نراها بموقف سيريالي تلعن وتتبرأ وتتنكر، نراها تتلاعب بالكلمات وتتظاهر بعمق رؤيتها التي كانت بالأمس خلافها تمامًا، كلمات متقاطعة كما أن مصدرها مخمور في حانة ليس لها أيما صدق أمام تشظي الوطن وما يعيشه من انتكاسات بحضورها الطاغي بطاولات اليوم المستطيلة والمربعة، وطن تتناهشه قوى البغي التي كانت ذات النخبة بالأمس تلعنها قصائد وقصص وندوات، لتجعلها تلك الحناجر والأقلام اليوم المنقذ وغاية المراد من رب العباد ولتكيف إبداعها مع مقتضيات المرحلة.
العطاء الإنساني قصيره وطويله، ماضيه وحاضره لا معنى له ما لم يجاهر بالحق في مواجهة الباطل، ما لم يلتزم التجرد وليس العبث بالكلمات وتقاطعها في خرق مخيف لما كان يصم به الأسماع بالأمس، النخبة ما لم تجهر بخطابها النوعي فهي جزء من الأزمة، بل وتتغذى عليها وهي تجتر الماضي وتنحت فيه بطولاتها الزائفة، المثقف الحقيقي هو من ينحاز للشمس ولا يعيش في دهاليز الظلام، ويساهم في رتق نسيجها، نعم صديقي، عشت زمن المثقف المزيف الذي يدعي ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا يمكن نسجه من الخيال كما يفعل صاحبه بإبداعه أو قل ترهاته التي تبعث على القرف، دعاة الزيف، أزمة الوطن الواحد كشفت عوراتكم وصار (الجي بي تي) أداة حديثة وبديلًا أكثر جدوى ممن ترغبون قوله بعيدًا عن مهارات الإنسان وثقل ما يعيشه وطنه من أزمات أصلها ثابت وفرعها في السماء.
