ألغام من زمن التمشيط!!

بقلم / مصطفى الزائدي
من أخطر آثار النكبة بروز الفوارق الاجتماعية بين الأفراد والأسر وحتى المدن والمناطق، مباشرة بعد نجاح الناتو في إسقاط الدولة، رُفع شعار المدن المنتصرة، رافقه ظهور فتوى الغنائم وحق الثوار في كل ما تقع عليه أيديهم من أموال عامة وخاصة، وبدء مرحلة التمشيط التي لم تترك شيئًا من أدوات وتجهيزات ومستلزمات وأثاث منزلي وملابس وكل ما يقع في طريقهم، حتى شملت ما حوته حديقة الحيوان بطرابلس من حيوانات ومعدات.
مسح الثوار! بالكامل سيارات ومحتويات بيوت مئات آلاف الأسر تحت غطاء تأييدهم للنظام الجماهيري، وكانت موجات التمشيط تتوالى تباعًا بالنظر إلى كثرة المجموعات المسلحة التي تولدت بعد سقوط النظام والتي وجدت في آلية التمشيط طريقًا سهلًا للظهور في المشهد الثوري! ولتمويل نفسها وتجنيد منتسبيها!
بعد تلك المرحلة بدأت ملحمة الاستيلاء على أملاك المواطنين الذين نزحوا وهاجروا حفظًا لدمائهم وكرامتهم، من منازل ومزارع دون إجراءات قانونية، وكذلك بدأت موجة الاستيلاء على الأملاك العامة، وبتواطؤ من بعض محرري العقود المزورين شرع في التصرف فيها وبيعها لعدة مرات وتقسيم المزارع إلى مقسمات سكنية وبيعها، ونتج وضع معقد يستحيل التعامل معه، حيث زرعت بذور حالة من النزاع ستؤدي حتمًا إلى عدم استقرار طويل الأجل!
بعض الحذاق من الثوار، خاصة القادمين من الخارج والمدربين في المخابرات الغربية، تركوا مهام الغنائم والتمشيط لصغار الثوار واتجهوا للاستيلاء على اعتمادات المصرف المركزي وسيطروا على التجارة الخارجية، وانتشرت ظاهرة اعتمادات بدون توريد مقابل، وفي أحسن الأحوال توريد مواد فاسدة مقابل أسعار مبالغ فيها.
أما كبار الثوار وقادتهم فأخذوا الثمن مباشرة ونقدًا من المدخرات في المصرف المركزي، ومن الأموال المجمدة، بخديعة استرجاع أموال الأزلام الوهمية المهربة، استندوا إلى قانون غريب عجيب ينص على نسبة 10% لكل من يرجع مبلغًا من الأموال المهربة زعمًا، والتي اتضح أنها أموال الدولة الليبية في الخارج، ولقد اكتمل كشف الخديعة في إيميلات المجرم أبيستين وعلاقته بقادة الثوار “المقريف ونوح وصهد” وطلبهم منه مساعدتهم في الحصول على الأموال المجمدة واقتسامها معه.
كما قام كبار الثوار! بالسيطرة على تجارة النفط بيعًا وشراءً وتهريبًا!!
قد يعلق البعض على المقال بأن النظام السابق استولى على أملاك مواطنين ومنحها إلى آخرين، ولكي لا يكون الأمر محل جدل عقيم، مثل هكذا ادعاء مردود عليه، فالنظام السابق كان يقوم بذلك بإجراءات قانونية تحملت وفقها الدولة مسؤوليتها وتحصل أصحابها على تعويضات عادلة وتامة، باستثناء أملاك المستوطنين الطليان التي كانت أصلًا مغتصبة من الليبيين واستُردَّت ووزعت على مستحقيها من الليبيين، ولعل أهم ما ميّز تلك المرحلة قانون رقم 4 الذي هدف إلى تأمين سكن “ملك مقدس” لكل أسرة بغرض تحقيق المساواة والعدالة والاستقرار لكل الليبيين، وتمت الإجراءات بقانون ولائحة تنفيذية وتحت إشراف القضاء، وعُوّض المتضررون حين تنفيذ القانون، كما تم تعويضهم ثانية عام 2005 من قبل لجان قضائية، وللأسف بعد النكبة حصلوا على تعويضات إضافية، كما استعاد بعضهم المساكن التي ادعوا ملكيتها وسبق تعويضهم مرارًا عليها!
بعد عقد ونصف من النكبة، علاوة على انهيار الدولة وتدهور سبل معيشة المواطنين، فإن تفاوتًا طبقيًّا رهيبًا أخذ في التشكل، تفاوتًا ناتجًا عن تكدس ثروات بطرق غير مشروعة وليس بسبب جهود فائقة ولا ذكاء خارق، وبدون أي قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، تفاوتًا يعني أن الصراع في ليبيا لن ينتهي بجرة قلم ولا في لحظة فارقة من الزمن ولا عن طريق قائد ملهم شجاع، بل يحتاج إلى كفاح مرير وطويل يمارسه الشعب لتأمين حقه في الحرية والمساواة فوق أرضه والسيادة التامة عليها.
