العرب.. كلفة الصراع

بقلم / ناصر سعيد
أزمات البحر الأحمر والخليج واليمن لم تعد مجرد صراعات أمنية محلية أو إقليمية، بل أصبحت جزءًا من صراع أوسع على الطاقة والممرات التجارية والنفوذ الدولي، وفي هذا الصراع تتقاطع مصالح الولايات المتحدة وروسيا والصين والقوى الإقليمية، بينما يجد العرب أنفسهم في قلب المعادلة، لكن ليس دائمًا في موقع من يضع قواعدها.
فالنفط والغاز العربيان، والموانئ، وباب المندب، والبحر الأحمر، وقناة السويس، ليست مجرد ثروات أو ممرات جغرافية، بل أوراق استراتيجية يمكن أن تمنح المنطقة قوة هائلة لو امتلكت قرارها المستقل، غير أن اضطراب هذه الممرات يحولها من عناصر قوة إلى مصادر كلفة.
عندما تتعرض الملاحة للخطر، ترتفع تكاليف التأمين والشحن، وتضطر السفن إلى تغيير مساراتها، فتزداد أسعار السلع والطاقة، وعندما ترتفع أسعار النفط، تستفيد بعض الدول المنتجة، بينما تتحمل الدول المستوردة أعباء إضافية، أما مصر فتواجه -بصورة مباشرة- تأثيرات أي تراجع في حركة الملاحة عبر قناة السويس، في حين تتحمل دول الخليج كلفة متزايدة لحماية منشآتها وممراتها الحيوية.
وهكذا لا تتوزع كلفة الأزمة عربيًّا بالتساوي، لكنها في النهاية تتجمع في الاقتصاد العربي: في فاتورة الطاقة، والنقل، والغذاء، والتأمين، والسلاح، وفي استنزاف الموارد التي كان يمكن توجيهها إلى التنمية.
وفي الجانب الآخر، تتحرك القوى الكبرى بمنطق مختلف، الولايات المتحدة تحاول حماية شبكة تحالفاتها ومصالحها وموقعها في سوق الطاقة العالمي، روسيا تستطيع الاستفادة من ارتفاع أسعار الطاقة وتوسيع منافذها الآسيوية، والصين، رغم تضررها من اضطراب طرق التجارة، تدفع نحو تنويع مصادر الطاقة ومساراتها البرية والبحرية وتقليل تعرضها لنقاط الاختناق.
لا يعني ذلك أن كل اضطراب يجري وفق مخطط واحد أو أن جميع الأطراف تحقق مكاسب متعمدة من الفوضى؛ فالأزمة تحمل مخاطر حقيقية على الجميع، لكن الدول الكبرى تمتلك القدرة على تحويل الأزمات إلى أدوات تفاوض، وإعادة ترتيب الأسواق والتحالفات ومسارات التجارة بما يخدم مصالحها بعيدة المدى. وهنا تكمن المفارقة العربية الكبرى.
العرب يملكون الطاقة التي يحتاجها العالم، والموقع الذي تمر عبره تجارة العالم، والأسواق التي تتنافس عليها القوى الكبرى؛ لكنهم يدفعون جزءًا كبيرًا من كلفة الصراع الذي يدور حول هذه العناصر.
المشكلة إذن ليست في ارتفاع سعر النفط أو انخفاض حركة الملاحة وحدهما، وإنما في غياب رؤية عربية تجعل من هذه الموارد والممرات قوة تفاوضية جماعية.
فحين يصبح النفط العربي مجرد سلعة في السوق الدولية، والموانئ مجرد مواقع تتنافس عليها القوى الكبرى، والممرات البحرية ساحات لحماية المصالح الأجنبية، فإن الثروة تتحول إلى مصدر نفوذ للآخرين أكثر مما تتحول إلى قوة للعرب.
ومن هنا فإن المعركة الحقيقية ليست فقط على باب المندب أو الخليج أو البحر الأحمر؛ إنها معركة على من يملك قرار الجغرافيا العربية وثرواتها وممراتها.
فالعرب ليسوا مجرد «سمكة» في بحر تصطاد فيه القوى الكبرى، كما توحي بعض القراءات الساخرة؛ لكنهم سيبقون كذلك ما لم تتحول عناصر قوتهم المبعثرة إلى قرار استراتيجي عربي مستقل.
الثروة موجودة، والموقع موجود، والممرات موجودة.. وما ينقص هو امتلاك قرار استخدامها.
