الالتزام بالمبادئ وموازين القوة

بقلم / المهدي الفهري
لا شك أن سيادة الدول تأتي من خلال امتلاك مقومات السيادة ومن قدرتها على تحديد المصالح الوطنية وصناعة القرار المستقل، فمن الصعوبة بناء سيادة حقيقية طالما كانت القرارات الاستراتيجية مرهونة بصورة دائمة بحسابات القوى الكبرى، وخصوصًا الغربية منها، وعبر نظام دولي إن لم يكن شريكًا فيما يحصل من تجاوزات فهو أبعد ما يكون عن الحياد، وذلك من خلال ما يقوم به من توظيف للمنظمات الدولية لخدمة مشاريعه وأجنداته تحت مظلة العولمة ونشر الثقافة والأنماط الغربية على حساب الهويات الثقافية والمحلية الأخرى ولا يعمل خارج نطاق تأثير القوة والنفوذ لا سيما عند استخدامه لحق النقض من قبل الدول دائمة العضوية وتحويل بعض قراراته إلى قوانين معطلة وما ينتج عن ذلك من منع وإلغاء لقرارات مهمة ومصيرية ومصادرة لحقوق ثابتة وبائنة لكثير من الأمم والشعوب، فالخلل يكمن في تعارض الأسس والنصوص القانونية مع مصالح الدول الكبرى الأمر الذي ترك هوة كبيرة بين النص القانوني والقدرة على تنفيذه.
ربما ينسب البعض هذا التناقض إلى القيم الغربية التي يتبناها الغرب وإلى انتقائية تطبيقها والتي يحرص دائمًا على فرضها على بقية الدول حسب رؤيته، ويطالب العالم باحترامها، في حين هو أول من يقوم بخرقها وانتهاكها، مما ولد تباينًا واضحًا بين المبادئ المعلنة وبعض الممارسات الاستعمارية التي مارستها قوى غربية على شعوب أفريقيا وآسيا والعالم العربي وغيرهم، وما تعارف عليه بازدواجية المعايير، ما جعل البعض يختزل الحضارة الغربية في الاستعمار رغم ما في ذلك من تقليل وإنكار غير دقيق لما أسهم به الفكر الغربي في إنتاج مفاهيم مهمة تتعلق بالحقوق والحريات وسيادة القانون، فالاختلاف إذن ليس حول القانون في حد ذاته، وإنما في احتكار ومزاجية تطبيقه، ولعل هذا ما حولّ معركة الوعي إلى عداء حضاري شامل للغرب، وهذا بالطبع لا ينفي وجود تيارات فكرية وقانونية غربية قاومت تلك الممارسات وساهمت في تطوير قواعد وأسس مهمة لحماية الدول وخاصة الصغيرة منها وتجريمها للعدوان وحروب الإبادة والاضطهاد وتوثيق الانتهاكات وملاحقة المتورطين للحد من الإفلات من العقاب.
ولكي نكون أكثر إنصافًا علينا أن نفرق بين الحضارة والثقافة وبين السياسات الاستعمارية وصراع النفوذ ومنح خطابنا قوة فكرية وأخلاقية أقرب للحقيقة في وقت تصل فيه معركة الوعي إلى أصعب مراحلها، ونحن نعيد طرح السؤال على أنفسنا لماذا بقينا عاجزين عن بناء منظومتنا الاستراتيجية المستقلة القادرة على حماية مصالحنا رغم امتلاكنا لكل الموارد البشرية والطبيعية والجيوسياسية التي تمكننا من ذلك ونلقي باللوم على الآخرين؟
العلاقة بين القانون الدولي وموازين القوة علاقة جدلية عميقة تعكس الصراع الدائم بين قواعد العدالة وإرادة الهيمنة، وما ينبغي علينا عمله هو ألا نتعامل مع القانون الدولي كجهة رسمية نشتكي ونلجأ إليها عند اللزوم لتمنحنا العدالة من ذاتها، بل بجب علينا إعادة بناء ذاتنا والعمل بذكاء ومهنية لتحويل القانون من نصوص جامدة إلى وسائل ضغط ضد المتورطين، وأن نتمسك بالقانون الدولي لا أن نتخلى عنه وتوظيفه لإثبات الحقوق وتوثيق الانتهاكات وملاحقة المسؤولين عنها والانتقال من عقلية انتظار العدالة إلى عقلية استخدام القانون لصناعة الأدوات التي تجسد هذه العدالة على الواقع.
الوعي التاريخي واستعادة الذاكرة لا يعني العيش في الماضي ورفض التطور والحداثة والاعتزاز بالهوية لا يدعو إلى العزلة والانغلاق، فالأمة الواثقة من نفسها تستطيع أن تتعامل مع العالم دون أن تفقد ذاتها وهويتها، وأن تكون واقعية دون أن يتحول ذلك إلى خضوع واستسلام، وأن تتعامل مع الغرب ولا تتبنى رؤيته، وأن تستخدم المؤسسات الدولية ولا ترهن مصيرها بشروطها، وأن تقبل الحوار دون أن تتنازل عن الحقوق، وأن تنتقل من انتظار التاريخ إلى صناعته، وهي تدرك أن التحرر الحقيقي لا يبدأ عندما يتغير العالم من حولنا، بل عندما نمتلك القدرة على تغيير بنية التفكير وعلى فهمه والتأثير فيه، ونحن ندرك أيضًا أن مواجهة الهيمنة لا تبدأ فقط بفضح المؤامرات، ولا تكتفي بالنقد والتنديد بازدواجية المعايير، بل بامتلاك أدوات الاستغناء عنها وببناء مؤسسات قادرة على تحويلها إلى قوة وقدرات تجعل تجاوز صفوفنا أكثر كلفة سياسيًّا وقانونيًّا، فالشرعية الدولية تبدأ بالقانون، ولكنها لا تستمر بالقانون وحده، وإذا كانت الهيمنة متعددة الأبعاد فإن مقاومتها يجب أن تكون كذلك متعددة الأوجه والجوانب والأدوات ورفض موازينها التي عادة ما تسبق صياغة القواعد التي يطلب منا اتباعها.
