التزوير لكم.. وفضحكم علينا

بقلم / عفاف الفرجاني
باعتباري متابعة جيدة لحركة مواقع التواصل الاجتماعي وخاصة بما يكتب سياسيًّا أو تاريخيا، هذه الفترة تحديدًا، شاهدت واحدة من أخطر عمليات التزوير الرمزي التي تستهدف الوعي الليبي. تحاول بعض القوى الخائنة الحاقدة، من ذيول المعارضة السابقة وأدواتها، أن تتصدر مشهد الذاكرة الوطنية، لا لتتصالح مع التاريخ، بل لتعيد كتابته على هواها، وكأن ذاكرة الليبيين قد مُسحت، وكأن الشهود قد ماتوا، والوثائق قد أُحرقت، والوقائع قد غابت.
إنها ظاهرة قديمة جديدة، فالمنتصر المؤقت يكتب التاريخ، ثم يحاول أن ينظِّف سجل الخونة ويقدمهم كأبطال. وهذا ما يجري اليوم بوقاحة غير مسبوقة، محاولة لترسيخ هوية الخائن في الذاكرة الليبية كبطل، وتقديم العميل كشهيد، والمأجور كمناضل.
هذا الحديث ليس موجها لتيار دون تيار، هو لكل ليبي حر، سواء أكان فبرايريا أو سبتمبريا. فالخيانة لا يبررها توجه، والوطنية ليست حكرًا على مرحلة أو نظام. نختلف في السياسة كما نشاء، ونتخاصم على السلطة كما نريد، لكن حين يتعلق الأمر بتاريخ ليبيا وكرامتها وسيادتها، فلا مكان لتجميل الخيانة أو تزييف الوقائع. الوطن فوق الخلاف، والحقيقة فوق الاصطفاف.
ولكم عينة فاضحة على هذا التزوير، لنبدأ بقضية كعبار، الذي عُرف في طرابلس باسم رشيد كعبار، ويقدّم اليوم كرمز.
فمن هو رشيد الذي تسمونه شهيدًا؟
إنه رشيد منصور كعبار، الذي أُعدم شنقًا في كلية الصيدلة بطرابلس في أبريل 1984، ليس لأنه صاحب رأي، بل لأنه إرهابي متطرف، حاله كحال باقي عناصر الخلايا التي شُكِّلت ورُعيت عبر المخابرات الأمريكية لزعزعة النظام وتفجير الدولة وقتل الأبرياء. كانت تهمته تشكيل خلايا إرهابية مسلحة. فبأي منطق تريدون استحضار الذاكرة الوطنية من خلال رواية مزورة عنه لتبرير الخيانة؟
وليس هذا إلا امتدادًا لإرثٍ موثق. فهو حفيد الهادي كعبار الكرغلي التركي، الذي طلب بنفسه من الطليان احتلال غريان لحمايته من ثوار المدينة، باعتباره عينًا للحاكم العثماني. واقعة وثقها المؤرخ الإيطالي غابيللي، ووصفها الأمير إدريس قبل أن يصبح ملكًا بالخيانة صراحة في رسالة نشرتها الأهرام عام 1922. الرجل الذي سلّم سلاح المدينة وطلب العفو من غراتسياني، فغدر به المحتل نفسه، وحوكم في الخمس وأُعدم شنقًا في مصراتة عام 1923. ونُسبت إليه مقولته الشهيرة قبل شنقه كتعبير عن الندم المتأخر (هذا جزاء من يخون بلاده ويثق بعدوه. هذه نهاية كل عميل، يستهلكه المحتل ثم يعدمه).
والمفارقة الفجة اليوم، أن من تبقى من تلك الخلايا الإرهابية خرج علينا في القنوات الفضائية التي تمولونها، يتبجحون بلا خجل برعاية المخابرات الأمريكية لهم، ويتباهون بأنهم قتلوا وفجروا ودمروا مؤسسات الدولة، ثم تريدون منا بعد كل هذا الاعتراف الموثق بالصوت والصورة أن نتعاطف مع شريككم في الجريمة رشيد، ونرفعه إلى مصاف الشهداء؟
نصيحتي لكم: لا تصدعوا رؤوسنا ببطولات وهمية، التاريخ لا يلمِّع الخونة، وإن عُدتم لتزويره عُدنا لفضحه
