مقالات الرأي

ليبيا.. من الانقسام إلى الدولة



بقلم / فرج بوخروبة

لم تعد الأزمة الليبية خلافًا سياسيًّا عابرًا بين أطراف تتنافس على السلطة، ولا مرحلة مؤقتة يمكن تجاوزها بتسوية جديدة تؤجل المشكلة إلى موعد آخر. لقد طال أمد الأزمة حتى أصبح استمرارها عبئًا على الدولة والمجتمع، وأصبح المواطن الليبي يدفع ثمن انقسام سياسي ومؤسسي لم يعد مقبولًا أن يستمر بالصيغة ذاتها.

ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي التمسك بحقيقة أساسية: ليبيا ما زالت دولة ذات سيادة، لكنها لا تمارس سيادتها بالقدرة الكاملة التي يفترض أن تتمتع بها الدولة. فوجود الدولة قانونيًّا وسياسيًّا أمر، وقدرتها الفعلية على بسط سلطتها على كامل أراضيها وإنفاذ القانون على الجميع أمر آخر. وبين الأمرين تقف ليبيا اليوم أمام تحديات ثقيلة؛ من انتشار السلاح، إلى تعدد مراكز النفوذ، إلى الانقسام السياسي والمؤسسي، وصولًا إلى المصالح الاقتصادية التي أصبحت في بعض الأحيان جزءًا من معادلة الصراع.

حين تنقسم السلطة، تتراجع هيبة الدولة. وما يزيد المشهد تعقيدًا أن الانقسام لم يعد محصورًا في السلطة التنفيذية، بل امتد إلى المجالين التشريعي والقضائي، فأصبح المواطن أمام مراكز متعددة للقرار، واختصاصات متداخلة، ومؤسسات يفترض أن تكون موحدة، لكنها تعمل أحيانًا في بيئة سياسية منقسمة. وهذه ليست مشكلة أسماء أو أشخاص بقدر ما هي مشكلة تمس جوهر الدولة؛ لأن الدولة لا تقوى بكثرة المؤسسات، وإنما بوحدة المرجعية القانونية والسياسية التي تنظم عملها.

وحين يختلف السياسيون يمكن معالجة خلافهم بالحوار والانتخابات، وحين تتغير الحكومات يمكن تشكيل حكومات جديدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح الانقسام نفسه جزءًا من بنية الدولة. عندها يتحول الاستثناء إلى قاعدة، والمرحلة الانتقالية إلى حالة دائمة، ويصبح المواطن هو الطرف الذي يدفع ثمن غياب الاستقرار.

أما السلاح، فلا يمكن أن يكون بديلًا عن الدولة. قد يستطيع السلاح أن يفرض واقعًا مؤقتًا أو يمنح صاحبه نفوذًا سياسيًّا، لكنه لا يستطيع أن يؤسس دولة مستقرة. الدولة الحديثة تقوم على مؤسسة أمنية وعسكرية وطنية موحدة، تخضع للقانون وللسلطة المدنية، وتكون مهمتها حماية البلاد لا المشاركة في تحديد من يحكمها.

وهذا لا يعني توجيه الاتهام إلى منطقة أو مدينة أو جماعة بعينها، فالمشكلة وطنية ولا يجوز اختزالها في طرف واحد. المطلوب هو الوصول إلى قاعدة واضحة: لا قوة فوق قوة الدولة، ولا سلاح خارج إطار المؤسسات الشرعية، ولا سلطة سياسية تستمد قدرتها من الأمر الواقع بدلًا من القانون.

والسياسة حين تختلط بالثروة تصبح الأزمة أكثر تعقيدًا. فاستمرار الانقسام يفتح المجال أمام مصالح تستفيد من بقاء الوضع القائم، ويجعل الموارد العامة جزءًا من التنافس السياسي. وفي بلد يمتلك ثروة نفطية كبيرة، فإن إدارة المال العام يجب أن تكون فوق الصراع، لأن النفط والثروة ملك لليبيين جميعًا، وليست ملكًا لحكومة أو منطقة أو تيار سياسي.

إن بناء الدولة يحتاج إلى مؤسسات مالية موحدة، وشفافية في إدارة الموارد، ورقابة حقيقية، وعدالة في توزيع الإنفاق والتنمية. فالمواطن لا يريد أن يعرف فقط من يملك القرار السياسي، بل يريد أن يعرف أين تذهب ثروة بلاده، ولماذا لا تنعكس على حياته وأمنه ومستقبل أبنائه.

ومن هنا يصبح الخروج من الأزمة مسؤولية وطنية لا صفقة سياسية. ليبيا لا تحتاج إلى إعادة تدوير المرحلة الانتقالية، ولا إلى تغيير الأشخاص مع بقاء القواعد التي أنتجت الأزمة. المطلوب مسار واضح يقود إلى مؤسسات شرعية ومستقرة، وانتخابات تقوم على أساس قانوني ودستوري واضح، وتداول سلمي للسلطة، وقضاء موحد ومستقل، ومؤسسات أمنية وعسكرية تعمل تحت مظلة الدولة.

ولا يمكن أن يكون هذا المسار قائمًا على منطق المنتصر والمهزوم. فليبيا لا تحتمل أن ينتصر جزء منها على جزء آخر، ولا يمكن لطرف أن يبني دولة مستقرة بإقصاء الآخرين. التسوية الحقيقية هي التي تجعل الجميع شركاء في الدولة، لا شركاء في اقتسام السلطة.

وهنا تبرز الحاجة إلى موقف وطني يتجاوز الحسابات الضيقة. المطلوب من القوى السياسية أن تدرك أن المناصب مؤقتة، وأن النفوذ مهما اتسع لا يمكن أن يكون بديلًا عن الشرعية، وأن الخصم السياسي اليوم قد يكون شريك الوطن غدًا. كما أن المطلوب من النخب الوطنية والإعلام والمجتمع المدني أن يدفعوا باتجاه خطاب يجمع الليبيين بدلًا من إعادة إنتاج الاصطفافات نفسها.

لقد جُرّبت لغة الغلبة، وجُرّب السلاح، وجُرّبت التسويات المؤقتة، لكن الأزمة بقيت. ولذلك فإن ما تحتاجه ليبيا الآن هو شجاعة مختلفة؛ شجاعة الاعتراف بأن استمرار الوضع القائم يضر بالجميع، وأن التنازل عن بعض المكاسب الآنية قد يكون ثمنًا ضروريًا لإنقاذ الدولة.

ليبيا أولًا، والدولة فوق الجميع. ليست البلاد بحاجة إلى رجل ينقذها، ولا إلى حزب يحتكر مستقبلها، ولا إلى منطقة تنتصر على أخرى. ليبيا بحاجة إلى مؤسسات قوية تحمي الجميع، وإلى قانون يسري على الجميع، وإلى سلطة تستمد شرعيتها من إرادة الليبيين، وإلى ثروة وطنية تدار لمصلحة الشعب.

فالسلطة زائلة، والمناصب مؤقتة، والأشخاص يتغيرون، أما الوطن فيبقى. ولذلك فإن السؤال الذي يجب أن يتقدم على كل الأسئلة ليس: من يحكم ليبيا؟ بل: كيف نبني دولة تحكمها المؤسسات ويشعر جميع أبنائها بأنها دولتهم؟

إن الفرصة لا تزال قائمة، لكن ضياع الوقت ليس محايدًا؛ فكل سنة من الانقسام تترك أثرًا في الاقتصاد والمجتمع والثقة بالدولة. وإذا أراد الليبيون فعلًا فتح صفحة جديدة، فعليهم أن يجعلوا القانون مرجعهم، والمؤسسات طريقهم، والمصلحة الوطنية بوصلتهم.

عندها فقط يمكن أن تنتقل ليبيا من إدارة الأزمة إلى إنهائها، ومن صراع السلطات إلى بناء الدولة، ومن الخوف من المستقبل إلى صناعة مستقبل يستحقه الليبيون.

زر الذهاب إلى الأعلى