السياسة بين الأيديولوجيا والمصلحة

بقلم / محمد بوخروبة
في السياسة لا تكفي الشعارات لصناعة الدول ولا تكفي النوايا الحسنة لإدارة المصالح، فالأيديولوجيا قد تمنح السياسي هوية وخطابًا، لكنها لا تستطيع وحدها أن تبني مؤسسات، أو توفر خبزًا أو تحمي حدودًا أو تضمن استقرارًا، وبين الفكرة والمصلحة تقف الدولة باعتبارها الاختبار الحقيقي لكل مشروع سياسي..
ولعل الحالة الليبية تقدم نموذجًا بالغ الدلالة لهذا التعقيد، إذ لم تعد الأزمة مجرد خلاف حول من يحكم، بل أصبحت اختبارًا لقدرة النخب السياسية على الانتقال من منطق التنافس على السلطة إلى منطق بناء السلطة العامة.
لقد كشفت السنوات الماضية أن الانقسام السياسي لا يعيش في الفراغ فهو ينعكس على المؤسسات والاقتصاد والخدمات وإدارة الموارد، ويشير البنك الدولي إلى أن التجزؤ المؤسسي وإدارة الثروة النفطية المتنازع عليها وضعف القطاع الخاص لا تزال من أبرز القيود الهيكلية أمام التنمية في ليبيا.
وهنا تبرز المفارقة، ليبيا دولة غنية بالموارد، لكنها لا تزال تعاني من عجز في تحويل هذه الموارد إلى دولة قوية وعادلة، فالمشكلة ليست في ندرة الإمكانات بقدر ما هي في غياب الإطار السياسي والمؤسسي القادر على إدارة تلك الإمكانات لمصلحة المجتمع.
الأيديولوجيا حين تتحول إلى غاية بذاتها قد تجعل السياسة معركة هويات لا مساحة مصالح، أما المصلحة الوطنية بالمعنى الصحيح فلا تعني الانتهازية أو التخلي عن المبادئ، بل تعني القدرة على ترتيب الأولويات والتمييز بين ما هو استراتيجي وما هو عابر وبين مصلحة الدولة ومصلحة الأشخاص.
ومن هنا فإن السؤال الليبي لم يعد من انتصر سياسيًّا.. بل ماذا ربحت الدولة؟
إن أي تسوية سياسية لا تقود إلى مؤسسات موحدة وقواعد واضحة وإدارة رشيدة للموارد ومسار انتخابي ذي شرعية، ستظل مجرد إعادة إنتاج للأزمة بأسماء جديدة، وفي هذا السياق، اختتم الحوار المهيكل الذي رعته الأمم المتحدة أعماله في يونيو 2026 بأكثر من 525 توصية تتعلق بالانتخابات وتوحيد المؤسسات ومعالجة جذور النزاع.
كما أن الاتفاق الذي جرى في أغسطس 2026 بشأن 4+4 للمسار الانتخابي، ثم تأييد مجلس النواب له في سبتمبر يوضح أن تجاوز الجمود السياسي يحتاج إلى تحويل التفاهمات إلى إجراءات ومؤسسات لا إلى بيانات فقط.
لكن الخطر الحقيقي يكمن في أن تصبح السياسة الليبية إدارة دائمة للمرحلة الانتقالية، فالدولة التي تبقى معلقة بين المؤقت والدائم وبين الشرعية والتوافق تفقد تدريجيًّا قدرتها على التخطيط للمستقبل.
إن ليبيا لا تحتاج إلى انتصار أيديولوجيا على آخر بقدر حاجتها إلى انتصار فكرة الدولة على الجميع، ولا تحتاج إلى سياسيين يجيدون الدفاع عن مواقعهم بقدر حاجتها إلى رجال دولة يدركون أن السلطة وسيلة وأن الوطن هو الغاية، ولعل أخطر ما في المشهد الليبي أن الأيديولوجيا أصبحت أحيانًا غطاء لمصالح أكثر واقعية ومباشرة، قد تتغير اللغة لكن تبقى الحسابات المتعلقة بالسلطة والموارد والنفوذ، وقد تتبدل التحالفات فيما يظل المواطن ينتظر ما هو أبسط من كل تلك الشعارات، دولة تعمل، قانون يحترم، مال عام يدار بشفافية، وأمن لا يخضع لمعادلات القوة.
ومع ذلك فإن اختزال المشهد كله في المصلحة سيكون خطأً آخر، فالأفكار مهمة والقيم السياسية مهمة، والاختلاف حول شكل الدولة ومستقبلها ليس وهمًا، لكن الأفكار لا تصبح مشروعًا وطنيًّا لمجرد رفعها في الخطب، قيمتها الحقيقية تظهر عندما تتحول إلى مؤسسات وقواعد وعدالة وفرص متكافئة.
ليبيا لا تحتاج إلى إلغاء الأيديولوجيا ولا إلى تقديس المصلحة، بل إلى إخضاع الاثنين لمعيار واحد، المصلحة الوطنية القابلة للقياس التي تظهر في حياة الناس لا في بيانات السياسيين.
فالدولة لا تبنى بكثرة الشعارات ولا بكثرة التسويات المؤقتة، وإنما بتوافق سياسي يجعل الاختلاف مشروعًا والمنافسة سلمية والسلطة مؤقتة والمؤسسات أقوى من الأشخاص.
لذلك ستبقى المصلحة الوطنية هي المحك الذي يسقط أمامه كثير من الخطاب السياسي، لأن التاريخ لا يسأل فقط عمن رفع الشعار الأعلى صوتًا، بل عمن استطاع أن يحول السياسة إلى دولة والثروة إلى تنمية، والاختلاف إلى تعايش والمرحلة الانتقالية إلى مستقبل.
فالدول لا تبنى حين يتفق السياسيون على كل شيء، بل حين يتفقون على أن الدولة أكبر من خلافاتهم جميعًا.
