بين قدسية الحرمين الشريفين وتبعية القرار السياسي

بقلم / محمود امجبر
يجب علينا أن نفرِّق بوضوح بين ما نعتقده دينيًّا، وبين حبنا لأرض الحرمين الشريفين، وتعاطفنا الروحي المطلق مع مكة والمدينة وقبلة المسلمين، وبين ما ينتهجه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بن عبدالعزيز من سياسات أراها خاطئة وكارثية على المنطقة والأمة العربية والإسلامية.
فمحبتنا للحرمين ليست صكَّ براءة لأي حاكم، وقدسية مكة والمدينة لا تعني تقديس السياسة، كما أن احترام الشعب السعودي لا يعني الصمت أمام سياسات قيادته.
ومن موقفي السياسي والفكري، أقولها بوضوح إن محمد بن سلمان اختار الارتهان للقرار الأمريكي والانصياع للمصالح الأمريكية، والسعي إلى إرضاء واشنطن بكل الوسائل المتاحة، حتى أصبحت العلاقة مع الولايات المتحدة في كثير من الملفات تبدو أقرب إلى التبعية السياسية والأمنية منها إلى شراكة متكافئة.
وما الصفقات العسكرية الضخمة مع الولايات المتحدة إلا أحد أوجه هذه العلاقة. ففي الأيام الأخيرة وافقت واشنطن على صفقة محتملة لبيع السعودية 48 مقاتلة F-35 بقيمة تقدر بنحو 24.3 مليار دولار، بينما كانت الولايات المتحدة قد أبرمت مع الرياض في 2025 حزمة دفاعية تقارب 142 مليار دولار.
والسؤال هنا ليس عن شراء السلاح في حد ذاته، وإنما لمن تُستخدم القوة، وفي خدمة أي مشروع سياسي؟ ومن يدفع ثمن هذه التحالفات والصفقات؟
أما القضية الفلسطينية، فلا يمكن فصلها عن هذا المشهد الإقليمي. فبينما يُعلن الموقف السعودي رسميًّا أن إقامة العلاقات مع إسرائيل مرتبطة بقيام دولة فلسطينية، فإن استمرار التحالف العسكري والسياسي والاقتصادي العميق مع واشنطن يفرض علينا أن نسأل عن حدود الاستقلال الحقيقي للقرار السعودي، وعن الدور الذي تلعبه هذه العلاقات في إعادة تشكيل المنطقة.
وأنا هنا لا أتحدث عن الشعب السعودي، ولا عن الإسلام، ولا عن أرض الحرمين؛ بل أتحدث عن سياسات رجل يحكم ويقرر، وعن مشروع سياسي أرى أنه جعل إرضاء الولايات المتحدة أولوية، حتى لو كان الثمن عربيًّا وإسلاميًّا.
ولا يمكن أن ننسى اليمن، وما تركته الحرب من مأساة إنسانية وسياسية، ولا يمكن كذلك تجاهل الدور السعودي في ملفات المنطقة منذ عام 2011، وما ارتبط بتلك المرحلة من تدخلات وصراعات وتحالفات في ليبيا وسوريا واليمن وتونس.
وفي اليمن تحديدًا، لم تعد العلاقة مع واشنطن مجرد تنسيق سياسي فحتى في سبتمبر 2026، أوردت رويترز أن محمد بن سلمان طلب من الرئيس الأمريكي دعمًا عسكريًّا لمواجهة الحوثيين، بينما قدمت واشنطن دعمًا استخباراتيًّا واستهدافيًّا.
إنني أرى في ذلك كله صورة واضحة لسياسة تقوم على الاستقواء بالخارج، والارتهان للتحالف الأمريكي، وإعادة صياغة القرار العربي وفق حسابات القوى الكبرى.
أما استخدام الدين والعلماء والفتاوى لتوفير الغطاء السياسي لبعض القرارات، فهو أمر أخطر لأن الدين يجب أن يبقى فوق صراعات السلطة، لا أن يتحول إلى أداة لتبرير استمرار الحاكم في الحكم أو تمرير خياراته السياسية.
لقد آن الأوان أن نقولها دون خوف أو مجاملة:
مكة ليست محمد بن سلمان، والمدينة ليست محمد بن سلمان، والإسلام ليس محمد بن سلمان، والشعب السعودي ليس محمد بن سلمان.
نحن نحب أرض الحرمين لأنها مقدسة في عقيدتنا، ونحترم الشعب السعودي وشعوب الأمة العربية والإسلامية، لكننا في الوقت نفسه نرفض أن تتحول قدسية المكان إلى حصانة سياسية للحاكم.
ومنذ أحداث 2011، وأنا أتابع وأكتب عن التدخلات والتحالفات التي أعادت تشكيل المنطقة تحت شعارات مختلفة، من ليبيا إلى سوريا واليمن وغيرها. واليوم، فإن مسؤولية السياسيين والإعلاميين والصحفيين والمثقفين ليست تبرير سياسات الحكام، وإنما كشف ما يرونه من تناقضات، ومساءلة أصحاب القرار، ووضع الحقائق أمام الشعوب.
ولهذا أقولها بصراحة: كفى تبعية، كفى انصياعًا للإرادة الأمريكية، كفى استخدامًا للدين لتبرير السياسة وكفى صفقات تُبرم باسم الأمن بينما تدفع الشعوب العربية ثمنها من دمها ومستقبلها.
وسيظل السؤال مفتوحًا أمام التاريخ، هل كان محمد بن سلمان يمارس سياسة مستقلة تخدم مصالح الأمة، أم أنه أصبح جزءًا من مشروع أمريكي لإعادة تشكيل المنطقة؟
هذا السؤال لا تجيب عنه البيانات الرسمية، وإنما تجيب عنه الأفعال والصفقات والمواقف والنتائج.
