التطبيق على ليبيا

بقلم / مريغان المنفي
إن لغز بناء الدولة لا يكمن في غياب عنصر واحد يمكن العثور عليه ثم تنتهي الأزمة، وإنما في قدرة المجتمع على جمع عناصر الدولة في منظومة واحدة متماسكة. فالإنسان هو البداية، والمؤسسة هي الإطار، والشرعية هي أساس القبول، والسيادة هي توحيد القرار، والأمن هو حماية الدولة، والمجتمع والاستقرار هو البيئة التي تسمح باستمرارها، والموارد هي الطاقة التي تحركها، والتنمية هي الثمرة التي تعود بالنفع على الإنسان ثم تعود هذه الثمرة لتعيد تشكيل الإنسان وتعزيز ثقته بالدولة.
ومن هنا فإن بناء الدولة ليس خطًّا مستقيمًا يبدأ من نقطة وينتهي عند أخرى، بل هو حلقة متكاملة إذا انقطع رابط منها اختل ما بعده، وإذا اختل أكثر من رابط تحولت الدولة إلى مجموعة من الأجزاء المتجاورة دون أن تكون منظومة واحدة.
فالإنسان لا يستطيع بناء مؤسسات حقيقية ما لم يمتلك ثقافة المواطنة والإحساس بالانتماء إلى المجال الوطني الجامع. والمؤسسة لا تستطيع الاستمرار إذا افتقدت الشرعية، والسلطة التي لا تستند إلى الشرعية تظل بحاجة إلى القوة لحماية وجودها. أما السلطة التي لا تمتلك السيادة فإن قرارها يبقى منقوصًا، والسيادة التي لا تحميها مؤسسات أمنية وطنية تجعل الاستقرار هشًّا، بينما الاستقرار الذي لا يقترن بإدارة رشيدة للموارد لا يستطيع أن يتحول إلى تنمية مستدامة.
ليبيا: حين تتوافر عناصر الدولة ولا تكتمل الدولة
إذا طبقنا هذه الرؤية على ليبيا سنجد أن المفارقة الأساسية تتمثل في أن البلاد لا تفتقر إلى مقومات بناء الدولة. فليبيا تمتلك الإنسان والثروة والموقع الجغرافي والموارد الطبيعية والكفاءات والتاريخ المشترك ومؤسسات الدولة بمختلف أشكالها. ومع ذلك ظل بناء الدولة متعثرًا. وهذا يعني أن المشكلة ليست في غياب المدخلات بقدر ما هي في عدم قدرتها على الانتظام داخل منظومة وطنية واحدة.
يظهر ذلك أولًا في مسألة الإنسان والمواطنة. فالدولة لا تحتاج إلى سكان فحسب وإنما تحتاج إلى مواطنين يشعرون بأن الدولة تمثلهم جميعًا، وأن القانون الذي يحمي فردًا يحمي الآخر، وأن الانتماء الوطني يتقدم على الانتماءات الجزئية عندما تتعارض المصالح. ثم تأتي المؤسسات. فوجود مؤسسة باسم الدولة لا يعني بالضرورة وجود مؤسسة دولة بالمعنى الحقيقي. المؤسسة تصبح جزءًا من بناء الدولة عندما تعمل وفق قواعد مستقرة وتخضع للقانون وتتمتع بالشرعية ولا تتحول إلى أداة لخدمة طرف أو منطقة أو جماعة.
ومن هنا نصل إلى السيادة. فالدولة الليبية لا تستطيع أن تكون مكتملة السيادة إذا كان القرار السياسي أو الأمني أو الاقتصادي موزعًا بين مراكز متعددة. فالسيادة ليست مجرد الاعتراف بالدولة خارجيًّا، وإنما هي قبل ذلك وحدة القرار داخل الدولة وقدرة مؤسساتها الشرعية على تنفيذ ما تقرره.
أما الأمن والاستقرار فلا يمكن اختزالهما في غياب المواجهة المسلحة. الاستقرار الحقيقي هو نتيجة لوجود سلطة شرعية وقانون نافذ ومؤسسات قادرة على حماية المجتمع بحيث يصبح المواطن مطمئنًا إلى أن الدولة هي المرجع النهائي في تنظيم حياته وحماية حقوقه.
وهنا تظهر الموارد باعتبارها الحلقة الأكثر حساسية في الحالة الليبية. فالثروة النفطية يمكن أن تكون أداة لبناء الدولة إذا تحولت إلى تعليم وصحة وبنية تحتية وتنويع اقتصادي وتنمية لكنها يمكن أن تتحول إلى مصدر للصراع إذا أصبحت وسيلة للسيطرة والنفوذ وتوزيع الريع.
وهكذا تكشف الحالة الليبية جوهر اللغز، المشكلة ليست أن ليبيا تفتقد الإنسان أو الموارد أو المؤسسات وإنما أن هذه العناصر لم تتحول بصورة مكتملة إلى منظومة وطنية متكاملة.
فالإنسان يحتاج إلى دولة تمنحه المواطنة، والدولة تحتاج إلى مؤسسات، والمؤسسات تحتاج إلى شرعية، والشرعية تحتاج إلى سلطة موحدة، والسلطة تحتاج إلى سيادة، والسيادة تحتاج إلى أمن، والأمن يهيئ للاستقرار، والاستقرار يسمح بإدارة الموارد، وإدارة الموارد تنتج التنمية، والتنمية تعيد بناء الثقة بالإنسان والدولة.
لذلك فإن مشروع بناء الدولة في ليبيا لا ينبغي أن يبدأ بالسؤال: أي مؤسسة نحتاج؟ فقط وإنما بالسؤال الأعمق: كيف نعيد وصل حلقات الدولة بعضها ببعض؟
فالدولة التي تُبنى على الأشخاص تزول بزوالهم، والتي تُبنى على القوة تخشى القوة، والتي تُبنى على الثروة تبقى رهينة الثروة. أما الدولة التي تُبنى على الإنسان والمؤسسة والشرعية والسيادة والأمن والاستقرار وحسن إدارة الموارد والتنمية، فإنها تتحول من سلطة فوق المجتمع إلى مشروع وطني يسكن المجتمع نفسه، وهنا، ربما، يكمن الحل الحقيقي للغز بناء الدولة.
