عندما تصبح طرق النفط جزءًا من الحرب

عثمان الدعيكي
لم تعد المشكلة التي تواجه السعودية اليوم مرتبطة بسعر النفط، ولا حتى بقدرتها على إنتاجه، المشكلة أصبحت أكثر تعقيدًا: كيف يصل هذا النفط إلى الأسواق إذا تحولت طرق تصديره نفسها إلى جزء من الحرب؟
من هرمز شرقًا إلى باب المندب غربًا، تغيرت خلال الأشهر الأخيرة حسابات ظلت مستقرة لعقود، ومع تصاعد المواجهة العسكرية في المنطقة، انتقل الضغط من الممرات البحرية إلى خطوط الأنابيب والموانئ والمنشآت النفطية، وهو ما يضع أكبر اقتصاد عربي وأحد أكبر مصدري النفط في العالم أمام اختبار اقتصادي قد تكون تداعياته أبعد من قطاع الطاقة نفسه.
وتشير البيانات المتداولة في التقارير الاقتصادية خلال 2026 إلى انكماش الاقتصاد السعودي بنحو 4.8 % خلال الربع الثاني من العام، بينما سجل القطاع النفطي تراجعًا بنحو 24.7 % في ظل أزمة هرمز واضطراب حركة الطاقة. كما تتحدث تقديرات عن خسائر عربية وإقليمية قد تصل إلى 200 مليار دولار، واحتمال تراجع الاستثمار الأجنبي المباشر بنحو 20 % إذا استمرت حالة عدم اليقين.
وكانت السعودية تمتلك حلًّا مهمًّا لمشكلة هرمز يتمثل في خط أنابيب “شرق–غرب” الذي ينقل الخام من المنطقة الشرقية إلى ينبع على البحر الأحمر، بطاقة تقدر بنحو خمسة ملايين برميل يوميًّا، مع إمكانية رفعها إلى قرابة سبعة ملايين. وهذا الخط صُمم أساسًا ليمنح المملكة منفذًا استراتيجيًّا بديلًا إذا تعطلت الملاحة عبر الخليج، لكن تطورات سبتمبر الجاري قلبت هذه المعادلة.
فبحسب التقارير المتداولة عن العمليات العسكرية، تعرض خط شرق–غرب لهجمات أدت إلى تدمير ست محطات ضخ على امتداده وتوقف الضخ عبر الخط، بالتزامن مع استهداف خزانات النفط في ميناء ينبع، ما أدى إلى شلل حركة التصدير عبر هذا المسار. وفي الوقت نفسه، تتحدث التقارير عن سيطرة قوات أنصار الله اليمنية على مضيق باب المندب وفرض حصار على السفن والصادرات السعودية.
إذا استمر هذا الوضع، فإن السعودية تكون قد فقدت، ولو مؤقتًا، الميزة التي كان يوفرها تحويل الصادرات من الخليج إلى البحر الأحمر. فالمشكلة لم تعد في هرمز وحده، بل امتدت إلى الطريق البديل نفسه.
وهنا تصبح الخيارات أكثر كلفة: إصلاح خط “شرق–غرب” ومحطات الضخ وتأمينها، إعادة تأهيل منشآت ينبع، زيادة الاعتماد على المخزونات، استخدام ترتيبات لوجستية ومسارات تصدير أخرى حيثما أمكن، إلى جانب الإنفاق المتزايد على حماية المنشآت النفطية والموانئ وشبكات الطاقة، كل ذلك يأتي في توقيت تنفذ فيه المملكة واحدًا من أضخم برامج التحول الاقتصادي في تاريخها الحديث، وهو رؤية السعودية 2030.
والسؤال هنا ليس ما إذا كانت الرياض ستتخلى عن الرؤية، وإنما ما إذا كانت ستضطر إلى إعادة ترتيب أولوياتها؟ فالدولة التي كانت توجه موارد ضخمة إلى السياحة والمدن الجديدة والصناعة والتقنية والبنية التحتية أصبحت مطالبة في الوقت نفسه بتمويل احتياجات دفاعية وأمنية وإصلاح منشآت استراتيجية وحماية طرق التجارة والطاقة.
يمكن للصناديق السيادية والاحتياطيات والاقتراض والقطاع الخاص أن توفر مساحة للحركة، لكن استمرار الأزمة لفترة طويلة سيجعل المفاضلة أصعب. وقد نشهد إعادة جدولة بعض المشروعات أو إبطاء تنفيذ الأقل إلحاحًا، مقابل إعطاء الأولوية للطاقة والأمن والنقل والموانئ والصناعات التي تحقق عائدًا أسرع.
أما العلاقات والتحالفات الخارجية، فمن المرجح أن تصبح قضايا أمن الممرات البحرية وحماية المنشآت وتدفق الطاقة أكثر حضورًا في الحسابات السعودية. لكن الحديث عن تغيير التحالفات نفسها يحتاج إلى قرارات ومواقف رسمية، فالأزمات قد تعيد ترتيب المصالح، لكنها لا تعني تلقائيًّا انقلابًا في العلاقات السياسية.
والأثر لن يبقى داخل السعودية.
فأي تعطيل طويل لصادرات أحد كبار منتجي النفط في العالم يمكن أن يقلص المعروض المتاح ويضيف علاوة مخاطر إلى الأسعار، خصوصًا إذا تزامن ذلك مع اضطرابات هرمز والبحر الأحمر. وفي المقابل، فإن ارتفاع الأسعار لا يعني بالضرورة استفادة جميع الدول المنتجة بالطريقة نفسها، لأن المكاسب تعتمد على استمرار الإنتاج والقدرة على التصدير واستقرار الأسواق.
وهنا تحديدًا تأتي ليبيا.
فاقتصادها شديد الاعتماد على إيرادات النفط والنقد الأجنبي المتأتي منه، وبالتالي قد يمنحها ارتفاع الأسعار إيرادات إضافية في الأجل القصير. لكن الأزمة الخليجية تحمل رسالة أهم بكثير من المكسب المؤقت في سعر البرميل.
فإذا كانت دولة بحجم السعودية، وبما تملكه من احتياطيات مالية وصندوق سيادي واستثمارات وبنية تحتية وخطط لتنويع الاقتصاد، تجد نفسها مضطرة إلى إعادة حساباتها عندما تتعرض طرق النفط للخطر، فإن اقتصادًا هشًّا مثل الاقتصاد الليبي يصبح أكثر عرضة للصدمات عندما يعتمد بصورة شبه كاملة على مورد واحد.
ولهذا فإن الدرس بالنسبة لليبيا ليس انتظار ارتفاع الأسعار لزيادة الإنفاق، وإنما استغلال أي إيرادات استثنائية في بناء احتياطي مالي، وضبط نمو الإنفاق العام، وتوجيه جزء من العائدات إلى الاستثمار المنتج، وتطوير قطاعات الزراعة والصناعة والخدمات والطاقة البديلة، وإنشاء مصادر دخل حقيقية خارج النفط.
فالأزمة الحالية تطرح سؤالًا ينبغي ألا تتجاهله ليبيا: ماذا يحدث إذا تعرض النفط الليبي يومًا ما لصدمة في الإنتاج أو التصدير بالتزامن مع انخفاض الأسعار؟
ما يجري بين هرمز وباب المندب يثبت أن امتلاك النفط شيء، والقدرة على بناء اقتصاد يستطيع العيش عندما يتعطل النفط شيء آخر تمامًا.
