مقالات الرأي

من الأندلس إلى الساحل.. تاريخ مجالٍ عربي وإسلامي جرى تفكيكه – الجزء الثالث



بقلم / محمد نبيغ

 من التفكك الاجتماعي إلى بناء فضاء مشترك: وحين تفقد الدولة حضورها الاجتماعي في القرى والأطراف، تبدأ سلطتها بالتراجع؛ فالشاب الذي لا يجد أفقًا مستقبليًّا يصبح أكثر تعرضًا للفوضى الهدامة، والقرية التي تهملها الدولة تصبح أكثر قابلية للاختراق من شبكات المصالح غير المشروعة.

ومن هنا تبرز المعضلة الديموغرافية؛ فالساحل الإفريقي يمتلك طاقة بشرية هائلة من الشباب، وهذه الطاقة يمكن أن تكون أكبر قوة اقتصادية في المنطقة، لكنها تتحول إلى عامل هشاشة عندما لا تستطيع الاقتصادات الوطنية توفير التعليم والتدريب والعمل والأمل.

فالشاب الذي لا يجد فرصة في الاقتصاد الرسمي قد يجدها في اقتصاد التهريب أو الهجرة غير النظامية أو شبكات الفوضى الهدامة.

ولهذا فإن مواجهة الفوضى الهدامة لا تقتصر على المقاربة الأمنية، بل تبدأ من التنمية، وإنشاء مراكز التدريب، وتعبيد الطرق، وربط الأرياف بالأسواق، وتوفير المياه والطاقة، وخلق فرص حقيقية أمام الشباب.

التنمية هنا ليست سياسة اجتماعية هامشية؛ إنها سياسة أمن قومي.

ولا يمكن إلقاء المسؤولية بالكامل على العوامل الخارجية رغم حضورها المؤثر. فنحن أمام معادلة مركبة قوامها:

تدخل خارجي ومصالح كبرى تستثمر في الثروات + هشاشة داخلية وفساد وسوء إدارة = بيئة مثالية للفوضى الهدامة.

فالقوى الخارجية قد تستفيد من ضعف الدول، لكنها لا تستطيع استغلال دولة قوية ومجتمع متماسك بالسهولة نفسها. ولهذا تتحمل النخب المحلية مسؤوليتها التاريخية عندما تتحول الدولة إلى مجال للصراع على النفوذ، أو عندما تُنهب الموارد، أو تُهدر المخصصات، أو تُضعف المؤسسات، أو يصبح الفساد وسيلة لإدارة المجتمع بدل خدمته.

وهنا يصبح السؤال أكبر من البحث عن «المؤامرة».

السؤال هو: من يستفيد من استمرار الأزمة؟ من يمول؟ من يشتري الموارد؟ من يسيطر على الطرق؟ من يستفيد من انهيار الدولة؟ ومن يستفيد من تفريغ المناطق من سكانها عبر الهجرة؟

هذه الأسئلة هي جوهر التحقيق الاستراتيجي في الأمن القاري. فأحيانًا لا يحتاج تفريغ منطقة من سكانها إلى قرار مباشر بتهجيرهم؛ يكفي أن تصبح الحياة فيها شديدة الصعوبة: مدرسة غائبة، ومستشفى بعيد، وطريق مقطوع، ومياه نادرة، وعمل مفقود، وأمن منهار. وحين تصبح الحياة مستحيلة، يبدأ السكان بالرحيل. وهنا تتحول الهجرة من نتيجة إنسانية للأزمة إلى عامل يعيد تشكيل الجغرافيا السكانية ويزيد هشاشة الدولة.

لكن في مواجهة هذا الخطر، تبقى العلاقات الاجتماعية العابرة للحدود عنصرًا مهمًّا في حماية المجتمعات. فالقبائل والعروش والأسر التي وجدت نفسها موزعة بين دول وطنية لم تفقد روابطها بالقرابة والمصاهرة. وهذه الروابط يمكن أن تكون جسرًا بين الشعوب، إذا بقيت في إطار احترام سيادة الدول والقوانين الوطنية.

فالحدود الدولية تحمي الدولة من الخارج، بينما يحمي التماسك الاجتماعي الدولة من الداخل.

وحين يكون المواطن مرتبطًا اجتماعيًّا بأقاربه في دولة مجاورة، فإن العلاقة لا يجب أن تتحول إلى صراع بين الدول، بل إلى مساحة للتعاون وحسن الجوار والتكامل الاقتصادي والاجتماعي.

إن استقرار الساحل الإفريقي هو مصلحة استراتيجية مباشرة لدول المغرب العربي: تونس والجزائر وليبيا وموريتانيا والمغرب. فالحدود المرسومة على الخرائط لا تمنع الجريمة، ولا توقف الأزمات الاقتصادية، ولا تمنع الهجرة أو انتقال السلاح والجريمة المنظمة. وأمن تونس والمنطقة يبدأ بالضرورة من فهم عمقها الإفريقي والساحلي.

فالحدود ليست جدرانًا تمنع تأثير الأزمات، بل خطوط سياسية تنظم العلاقة بين دول ذات سيادة، بينما تظل المجتمعات قادرة على بناء جسور التواصل فيما بينها. ولهذا فإن الحل المستدام لا يكمن في إغلاق الحدود أو عسكرة المجتمعات أو انتظار الوصاية الأجنبية، بل في بناء فضاء مغاربي–ساحلي مشترك يقوم على: ممرات نقل تربط المتوسط بالأسواق الإفريقية، تجارة حدودية منظمة تعوض اقتصاد التهريب، مشروعات تكاملية في الطاقة والزراعة والمياه، شبكات جامعية وعلمية تربط المعرفة بين شمال إفريقيا والساحل وغرب إفريقيا، تعاون أمني فعال في مواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة والفوضى الهدامة، تنمية حقيقية للمناطق الحدودية بدل تركها فراغات اقتصادية وأمنية، احترام العلاقات الاجتماعية والقبلية والعائلية العابرة للحدود باعتبارها جسور تواصل بين الشعوب، لا أدوات للصراع.

إن الصحراء التي كانت تاريخيًّا جسرًا للتواصل لا يجب أن تحولها السياسات المعاصرة إلى جدران عازلة. والتاريخ يخبرنا أن الجغرافيا التي فرقتها الأزمات يمكن أن تعيد وصلها المصالح المشتركة. فالمعركة الحقيقية ليست على الحدود فحسب، بل على الدولة والمجتمع والإنسان.

فقوة الدولة تحمي السيادة، وقوة المجتمع تحمي الدولة، والعلاقات الاجتماعية المتماسكة تحمي المجتمع من التفكك. والأخطر من انهيار الدولة هو أن يفقد المواطن إيمانه بقدرتها على حمايته؛ لأن الفراغ الذي تتركه الدولة لا يبقى فارغًا، وإنما تملؤه الفوضى الهدامة، وشبكات التهريب والجريمة، والنفوذ الخارجي، والهجرة.

ومن هنا فإن الأمن الاجتماعي يجب أن يصبح جزءًا أساسيًّا من مفهوم الأمن القومي، لا ملفًّا ثانويًّا يأتي بعد اكتمال المقاربة الأمنية.

وعلى دول المغرب العربي والساحل أن تستعيد وعيها الجغرافي؛ فهي ليست مجرد دول متجاورة تفصل بينها حدود سياسية، وإنما أجزاء من فضاء تتقاطع فيه طرق التجارة والهجرة والطاقة والثروات والأمن، وتربط شعوبه أيضًا علاقات قرابة ومصاهرة وتاريخ مشترك.

وإذا بقيت كل دولة تنظر إلى أزماتها داخل حدودها فقط، فإن الآخرين سينظرون إلى المنطقة باعتبارها مساحة واحدة للمصالح والنفوذ.

ومن هنا يبدأ السؤال الأكبر: هل ستواصل دول المغرب العربي والساحل النظر إلى أزماتها بمنظور معزول، أم ستدرك أنها تعيش داخل فضاء واحد ترتبط فيه أعمدة الاستقرار ببعضها البعض؟

لقد كان هذا المجال فضاءً للتواصل قبل أن يصبح فضاءً للحدود. واليوم لا نحتاج إلى إزالة الحدود، بل إلى جعلها جسورًا؛ ولا نحتاج إلى إلغاء الدولة الوطنية، بل إلى تقويتها؛ ولا نحتاج إلى قطع العلاقات الاجتماعية العابرة للحدود، بل إلى تنظيمها داخل احترام السيادة والقانون؛ ولا نحتاج إلى إعادة إنتاج إمبراطوريات الماضي، بل إلى بناء مستقبل أقوى من الماضي؛ ولا نحتاج إلى مزيد من الحروب، بل إلى دول قادرة، واقتصادات منتجة، ومجتمعات متماسكة.

فالحدود الدولية تحمي الدول، لكن العلاقات الإنسانية والاجتماعية بين الشعوب يمكن أن تجعل هذه الحدود جسورًا للتعاون بدل أن تكون خطوطًا للعداء. فالأمن لا يبدأ عند نقطة الحدود فقط. الأمن يبدأ من الإنسان، ومن الأسرة، ومن المدرسة، ومن المستشفى، ومن الطريق، ومن العمل، ومن الدولة التي يشعر المواطن أنها موجودة من أجله.

وحين يصبح الإنسان آمنًا في وطنه، وحين يشعر أن دولته تحميه وأن مجتمعه متماسك من حوله، يصبح الوطن أكثر قدرة على حماية حدوده. وهنا يبدأ الأمن الحقيقي: من الإنسان، ومن قوة الدولة، ومن تماسك المجتمع.

زر الذهاب إلى الأعلى