مقالات الرأي

الذي يريده الطبيب والذي يراد منه

د.علي المبروك أبوقرين

الطبيب هو أحد أهم حراس الصحة والحياة في المجتمع يحمي من المرض قبل وقوعه، ويشخصه حين يظهر، ويداوي ويخفف الألم ويضمد الجروح ويرمم الأجساد ويرعى النفوس ويحارب الأمراض والأوبئة، وينقذ المصابين في الحوادث والكوارث والحروب، ويقف إلى جانب الإنسان في أكثر لحظات حياته ضعفا وخوفا وألما. ولذلك فإن الطبيب الذي نريده لا يمكن أن يصنعه نظام تعليمي عادي، ولا بيئة صحية فقيرة، ولا إدارة مرتبكة ولا مستشفى ناقص التجهيز. الطبيب الآمن صناعة دولة كاملة، تبدأ قبل دخوله كلية الطب ولا تنتهي عند حصوله على شهادة التخرج. إن مسيرة الطبيب من أطول المسارات المهنية وأكثرها تكلفة وإرهاقا. سنوات من دراسة العلوم الأساسية والطبية والتدريب السريري وسنوات أخرى من التخصص والتخصص الدقيق، والمناوبات والامتحانات والبحث العلمي والتعلم المستمر، وقد يعيش الطبيب المقيم والمتخصص ساعات عمل ومسؤوليات تتجاوز كثيرا ما تعرفه المهن الأخرى، في وقت يكون فيه بعيدا عن أسرته وحياته الطبيعية. ولهذا فإن ما يريده الطبيب ليس امتيازا، وإنما الوسيلة التي تمكنه من أن يصبح طبيبا آمنا قادرا على أداء ما سيطلب منه. يريد تعليما طبيا حقيقيا ومناهج حديثة وتدريبا سريريا حقيقيا منظما، ومحاكاة ومختبرات وأساتذة مؤهلين متفرغين، ومستشفيات جامعية حقيقية، ومراكز بحثية وتقييما علميا عادلا، واتصالا دائما بالمعرفة الطبية العالمية. وإذا لم تستطع الدولة أن توفر له هذه البيئة داخل الوطن، فإن ابتعاثه إلى الجامعات والمستشفيات والمراكز المرجعية العالمية ليس إنفاقا زائدا وإنما استثمار مباشر في بناء الدولة. وقد عرفت ليبيا في مراحل سابقة قيمة هذا الاستثمار فأرسلت أبناءها للدراسة والتخصص في الخارج على نفقة الدولة، لأن الطبيب العائد يعود بخبرة يمكن أن تتحول إلى مدرسة ومؤسسة وجيل جديد من الأطباء. وما الذي يضير دولة نفطية غنية بثرواتها الطبيعية لو استثمرت خلال نصف قرن في تكوين عشرات الآلاف من الأطباء والمتخصصين والعلماء والفنيين؟ إن عشرات الآلاف من الكفاءات الوطنية لا تعني عشرات الآلاف من الوظائف وإنما تعني بناء مدارس طبية ومراكز تخصصية ومستشفيات جامعية ومؤسسات بحثية وشبكات علمية قادرة على نقل المعرفة وتوطينها وإنتاجها. الابتعاث المنظم يمكن أن يكون جسرا إلى العالم، ثم يعود الطبيب ليكون جسرا لغيره، فتتحول تكلفة الفرد إلى تراكم وطني للمعرفة. وتكوين الطبيب يحتاج إلى تمويل كامل ومنظم للتعليم والتدريب والسكن والتنقل والمراجع والأبحاث والمؤتمرات والاحتكاك العلمي وراتب كريم خلال التدريب والتخصص يتيح له أن يعيش بكرامة دون أن يصبح مستقبله العلمي رهنا بقدرة أسرته المالية. وبعد التخرج يجب أن يكون المسار المهني واضحا ومنظما، وأن ترتبط الأجور بالتخصص والخبرة والمسؤولية والأداء وطبيعة العمل والمناوبات والمخاطر والعمل في المناطق النائية، ضمن جداول مهنية عادلة تعترف بأن الطب من أكثر المهن مسؤولية وضغطا ومخاطرة. لكن الطبيب لا يعمل منفردا ولا يستطيع أن يصنع نظاما صحيا من غرفة الفحص. لكي نطلب منه تشخيصا دقيقا وعلاجا آمنا، يجب أن نوفر له مستشفى ومختبرا ومركز تصوير وتجهيزات وأدوية ومستلزمات طبية ونظام إحالة ونقلا طبيا وتمريضا متخصصا وفنيين مؤهلين وإدارة صحية محترفة وهندسة طبية وخدمات لوجستية ونظام معلومات ورقمنة حقيقية وجودة وسلامة مرضى. لا يمكن مطالبة الطبيب بممارسة طب القرن الحادي والعشرين داخل منظومة تعمل بأدوات القرن الماضي. ويحتاج الطبيب كذلك إلى بيئة معيشية تحفظ كرامته وتمنحه الاستقرار الذي يسمح له بالتفرغ لمهنته. فالطبيب له أسرة وأبناء وحياة وحقوق، وحمايته من الاستنزاف المهني والاقتصادي ليست مكافأة له وإنما شرط من شروط استمرار قدرته على العطاء. وكلما أرادت الدولة منه التزاما أكبر وجب عليها أن توفر له بيئة أكثر قدرة على تمكينه ومحاسبته في الوقت نفسه. وفي المقابل فإن حقوق الطبيب لا تنفصل عن واجباته. الدولة والمجتمع لا ينفقان على تكوينه لكي يحصل على شهادة أو يبحث عن منفعة شخصية وإنما لكي يعيد ما تعلمه إلى الناس علما وخدمة وأمانة. لذلك يجب أن يلتزم الطبيب بالتعلم المستمر وأخلاقيات المهنة وكرامة المريض وسرية معلوماته والدليل العلمي وسلامة المرضى ومكافحة العدوى والعمل الجماعي والبحث والتعليم والاستجابة للطوارئ، وتحمل المسؤولية المهنية والمحاسبة العادلة. إن المعادلة بسيطة وعميقة في معناها فكل ما يحتاجه الطب لكي ينتج طبيبا آمنا يجب أن توفره الدولة، وكل ما يحتاجه المجتمع من الطبيب يجب أن يطلبه منه كاملا. لا يجوز أن نطلب من الطبيب أن يعالج نتائج انهيار النظام الصحي ونقص الأدوية وضعف الوقاية وتأخر التشخيص وتردي البنية التحتية ثم نحمله وحده مسؤولية النتائج. الطبيب جزء من منظومة وقوته من قوتها وقدرته على إنقاذ الإنسان تتسع بقدر ما تتسع قدرة النظام الذي يعمل داخله. إن بناء الطبيب الوطني ليس إنفاقا استهلاكيا وإنما استثمار سيادي في صحة الأمة وأمنها ومستقبلها. والطبيب الذي نريده لا تصنعه الشهادة وإنما تصنعه دولة أحسنت تعليمه وتدريبه وتمكينه وحمايته، ثم طالبته بالعلم والأمانة والانضباط والمسؤولية. وحين نعطي الطب ما يحتاجه يصبح من حقنا أن نطلب من الطبيب كل ما نحتاجه وحين نريد منه أن يحرس صحة الإنسان وحياته، يجب أولا أن تحرس الدولة تكوينه وكرامته وبيئة عمله. فالطبيب ليس عبئا على الدولة وإنما أحد أهم استثماراتها في الإنسان وأحد أهم حراس بقائها وصحتها وقدرتها على النهوض.

زر الذهاب إلى الأعلى