مقالات الرأي

هندسة الحسم



بقلم / محمد علوش

تتسارع إجراءات الاحتلال وهجمته في الضفة الغربية ضمن مسار يتجاوز فكرة الإجراءات الأمنية المؤقتة، ويتصل بمشروع سياسي واستيطاني متكامل يسعى إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، وصولًا إلى محاولة حسم الصراع لصالح المشروع الصهيوني، على حساب الشعب الفلسطيني وأرضه وحقوقه، وفي اتجاه تصفية القضية الفلسطينية.

ولفهم ما يجري في الضفة الغربية اليوم، لا يمكن فصل المشهد عن الكارثة التي حلَّت بقطاع غزة، فالإبادة الجماعية التي تعرَّض لها القطاع، وما رافقها من قتل ودمار واسع وتهجير جماعي وتدمير للمدن والأحياء والبنية التحتية، لا يمكن النظر إليها بوصفها فصلًا منفصلًا عن الصراع، بل تكشف عن حجم التحولات التي يراد فرضها على الجغرافيا الفلسطينية والوجود الفلسطيني.

وفي هذا السياق، تبرز «المنطقة الصفراء» أو «الخط الأصفر» في غزة بوصفها أحد التعبيرات الواضحة عن إعادة تشكيل الجغرافيا بالقوة، فقد ارتبطت هذه المنطقة بتقسيم فعلي للقطاع، وبوجود عسكري احتلالي إسرائيلي وسيطرة على مساحات واسعة منه، وسط مخاوف فلسطينية من تحول ترتيبات يفترض أن تكون مؤقتة إلى واقع جغرافي دائم، وتتجاوز دلالة ذلك قطاع غزة، فعندما تدمَّر مناطق كاملة، ويدفع السكان إلى النزوح، ثم ترسَّخ خطوط عسكرية ومناطق عازلة وتتحول إلى واقع جغرافي جديد، فإن المسألة لا تعود مجرد إدارة عسكرية للحرب، وإنما تصبح جزءًا من إعادة تعريف المكان والسكان والحدود.

ومن هنا تبدو الضفة الغربية الحلقة الأخرى في المسار نفسه، فتكثيف الاستيطان، ومصادرة الأراضي، وإقامة البؤر الاستيطانية، وتهجير التجمعات الفلسطينية، وتصاعد اعتداءات المستوطنين، إلى جانب الاقتحامات والاعتقالات والقيود على حركة الفلسطينيين، كلها تصب في اتجاه تفكيك الجغرافيا الفلسطينية وتحويلها إلى جزر منفصلة ومحاصرة.

ويكشف هذا المسار عن محاولة متواصلة لتغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي في الضفة الغربية، عبر تضييق الخناق على الفلسطينيين، ودفعهم إلى مغادرة مناطقهم، وقطع التواصل الجغرافي بين المدن والقرى والتجمعات الفلسطينية، في مقابل توسيع نطاق السيطرة الاستيطانية، وبذلك يصبح الرابط بين غزة والضفة أكثر وضوحًا، ففي غزة، جرى دفع السكان إلى النزوح وسط دمار هائل، وفرضت وقائع عسكرية وجغرافية جديدة؛ وفي الضفة، يجري الضغط على الفلسطينيين من خلال الاستيطان والعنف والتهجير ومصادرة الأرض، وفي الحالتين، تتعرض الجغرافيا الفلسطينية لمحاولة إعادة هندستها بما يخدم مشروعًا يقوم على توسيع السيطرة الإسرائيلية وتقليص الوجود الفلسطيني، والمسألة، إذن، لا تتعلق فقط بعدد المستوطنات أو مساحة الأراضي المصادرة أو عدد العائلات المهجرة، وإنما بجوهر الصراع: من يملك الأرض؟ ومن يقرر شكلها ومستقبلها؟ ومن يبقى عليها؟

وهنا تكمن خطورة نظرية «حسم الصراع»، فهي لا تقوم فقط على التفوق العسكري، وإنما على تحويل ميزان القوة إلى وقائع سياسية وجغرافية دائمة؛ بحيث تصبح السيطرة أمرًا واقعًا، والاستيطان واقعًا، والتهجير واقعًا، وتقسيم الأرض واقعًا، ثم يطلب من العالم التعامل مع هذه الوقائع باعتبارها نقطة البداية لأي حل سياسي، لكن هذه المعادلة تصطدم بحقيقة أساسية، فالفلسطيني ليس تفصيلًا يمكن تجاوزه في معادلة الأرض، فكل محاولات اقتلاعه من مكانه لم تنهِ علاقته بأرضه، وكل موجات التهجير السابقة لم تسقط حقه في العودة وتقرير المصير، كما أن تدمير المدن والقرى لا يعني القدرة على محو شعب كامل من الجغرافيا والتاريخ، لهذا، فإن المعركة في الضفة الغربية ليست منفصلة عن غزة، كما أن غزة ليست قضية منفصلة عن الضفة والقدس واللاجئين، إنها حلقات مترابطة في صراع واحد على الأرض والهوية والوجود والحقوق الوطنية.

والأخطر أن استمرار فرض الوقائع من دون رد سياسي ودولي فاعل يعني منح المشروع الاحتلالي مزيدًا من الوقت لإعادة تشكيل الخريطة، فالاستيطان الذي يبدأ ببؤرة يمكن أن يتحول إلى تجمع، والتجمع إلى كتلة استيطانية، والكتلة إلى واقع جغرافي وسياسي يصعب تفكيكه، وكذلك خطوط السيطرة التي ترسم في غزة يمكن أن تتحول، مع مرور الوقت، من ترتيبات عسكرية إلى حدود فعلية، لذلك، فإن مواجهة هذا المسار لا تكون بالتعامل مع كل إجراء على حدة، بل بقراءة الصورة كاملة، فما يجري هو صراع على مستقبل فلسطين، وليس مجرد سلسلة من الأحداث الأمنية اليومية.

إن «هندسة الحسم» التي يسعى الاحتلال إلى فرضها بالقوة تواجه حقيقة لا يمكن إلغاؤها بالخرائط والأسلاك والجدران، فوجود شعب فلسطيني متمسك بأرضه وحقوقه، وقضية لم تنجح عقود الاحتلال والحروب والتهجير في تصفيتها، ومن هنا، فإن اللحظة الراهنة تفرض على الفلسطينيين إعادة ترتيب الأولويات على قاعدة حماية الأرض والوجود، كما تفرض على المجتمع الدولي إدراك أن ترك الاحتلال يراكم الوقائع لن ينتج سلامًا، بل سيجعل الصراع أكثر تعقيدًا وانفجارًا.

ما يجري في غزة والضفة ليس مجرد معركة على الحاضر؛ إنه صراع على شكل فلسطين في المستقبل، وإذا كانت المعركة قد وصلت إلى مرحلة يحاول فيها الاحتلال إعادة رسم الأرض بالقوة، فإن المعركة المقابلة يجب أن تكون معركة حماية الوجود الفلسطيني ومنع تحويل التهجير والاستيطان والتقسيم إلى حقائق نهائية، إنها، في جوهرها، معركة على الأرض قبل أن تكون معركة على السياسة، ومعركة على بقاء القضية الفلسطينية قبل أن تكون معركة على شكل الحل.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى