مقالات الرأي

قاع البحر في خطر


بقلم/ يوسف امحمد الشريف

لا تبدو آثار التغير المناخي دائمًا واضحة للعين، فبعض أخطر التحولات البيئية تحدث بعيدًا عن المدن وتحت سطح المياه، حيث تتفاعل درجات حرارة البحر مع الرواسب والكائنات البحرية والنشاط البشري في منظومة بيئية شديدة الحساسية. وفي السواحل الليبية، الممتدة على مساحة واسعة من البحر المتوسط، تبرز قضية قاع البحر بوصفها واحدة من القضايا التي تستحق اهتمامًا علميًّا وبيئيًّا متزايدًا، خصوصًا مع تنامي الضغوط الناتجة عن ارتفاع درجات الحرارة البحرية وممارسات الصيد غير المستدامة، وفي مقدمتها الجرارة القاعية.

ويُعد البحر المتوسط من البيئات البحرية التي تتأثر بصورة متزايدة بالتغيرات المناخية. ومع ارتفاع متوسط درجات الحرارة العالمية، تتجه درجات حرارة مياه البحر إلى الارتفاع، الأمر الذي ينعكس على الأنظمة البيئية البحرية، وعلى توزيع الأسماك والكائنات القاعية، وعلى طبيعة المواطن البحرية التي تعتمد عليها العديد من الأنواع في التغذية والتكاثر والحماية، ولا يمكن النظر إلى ارتفاع حرارة البحر باعتباره ظاهرة منفصلة عن بقية التغيرات البيئية. فعندما ترتفع درجات حرارة المياه، تتغير الظروف الفيزيائية والكيميائية للبيئة البحرية، وقد تتأثر مستويات الأكسجين الذائب ودورات المغذيات وسلوك الكائنات البحرية. بعض الأنواع قد تتحرك نحو مناطق أكثر ملاءمة لظروفها الحرارية، بينما تصبح أنواع أخرى أكثر تعرضًا للإجهاد البيئي والأمراض وتراجع مصادر الغذاء.

وفي قاع البحر الليبي، تزداد أهمية هذه القضية بسبب الدور الحيوي الذي تؤديه الرواسب والبيئات القاعية في المحافظة على التوازن البيئي. فالقاع ليس مجرد مساحة تستقر فوقها الرواسب، بل هو موطن لكائنات دقيقة ولافقاريات وأعشاب بحرية وكائنات أخرى تشكل حلقات أساسية في السلسلة الغذائية البحرية، وهنا تظهر الجرارة القاعية باعتبارها واحدة من أكثر ممارسات الصيد تأثيرًا في البيئات القاعية عندما تُستخدم بصورة غير مستدامة أو في مناطق حساسة. فالجر القاعي يعتمد على سحب معدات الصيد فوق قاع البحر، وقد يؤدي ذلك إلى اضطراب الرواسب وتدمير أو إتلاف الكائنات القاعية، إضافة إلى التأثير في المواطن البحرية التي تحتاج إلى سنوات حتى تستعيد بعض خصائصها الطبيعية.

ولا تقتصر المشكلة على ما يحدث للكائنات التي يتم اصطيادها، بل تمتد إلى البيئة نفسها. فعندما تُقلب الرواسب ويتعرض القاع للاضطراب المتكرر، تتغير خصائص الموطن القاعي، وقد تتأثر الكائنات التي تعتمد عليه. كما أن الرواسب البحرية تمثل جزءًا مهمًّا من دورة الكربون في النظم الساحلية والبحرية، ولذلك فإن أي اضطراب واسع ومتكرر في القاع يستحق الدراسة العلمية من منظور المناخ إلى جانب المنظور السمكي والبيئي، ومن الخطأ تحميل الجرارة القاعية مسؤولية الاحتباس الحراري وحدها، لأن تغير المناخ ظاهرة عالمية ترتبط أساسًا بتراكم غازات الدفيئة الناتجة عن النشاط البشري. لكن الأنشطة التي تؤدي إلى تدهور النظم البيئية البحرية يمكن أن تقلل من قدرة هذه النظم على أداء وظائفها الطبيعية، بما في ذلك تخزين الكربون والمحافظة على التنوع الحيوي، وتحتاج ليبيا إلى التعامل مع هذه القضية من خلال الجمع بين البحث العلمي والإدارة البيئية والرقابة على الأنشطة البحرية. فالساحل الليبي يمثل موردًا اقتصاديًّا وغذائيًّا وبيئيًّا مهمًّا، وأي تدهور طويل الأمد في بيئته البحرية سينعكس على الثروة السمكية، وعلى المجتمعات الساحلية وعلى مستقبل الاقتصاد الأزرق.

كما أن حماية قاع البحر لا تعني إيقاف النشاط الاقتصادي البحري بصورة مطلقة، وإنما تعني تنظيمه على أساس علمي يوازن بين احتياجات الصيادين وضرورة المحافظة على الموارد الطبيعية. ويمكن أن يشمل ذلك تحديد المناطق الحساسة بيئيًّا، ووضع قيود موسمية ومكانية على بعض معدات الصيد، ومراقبة المخالفات، وتشجيع استخدام وسائل صيد أكثر انتقائية وأقل تأثيرًا في القاع، وتبقى الحاجة إلى البيانات العلمية من أهم التحديات. فدراسة حرارة مياه البحر، ونوعية الرواسب، وانتشار الكائنات القاعية، ومناطق الأعشاب البحرية، ومعدلات الصيد، تساعد على بناء صورة دقيقة عن حالة البيئة البحرية الليبية. ومن دون بيانات مستمرة يصعب قياس حجم التغير أو تحديد المناطق الأكثر تعرضًا للخطر.

إن حماية قاع البحر الليبي ليست قضية تخص الصيادين وحدهم، ولا المؤسسات البيئية وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة بين الدولة والباحثين والصيادين والمجتمع. فالبحر الذي نراه من الشاطئ يخفي نظامًا بيئيًّا واسعًا، وأي ضرر متكرر في أعماقه قد لا يظهر سريعًا، لكنه قد يترك آثارًا تمتد لسنوات. وفي ظل التغير المناخي، تصبح حماية النظم البحرية أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فالاستثمار الحقيقي في البحر الليبي لا يكون باستنزاف موارده على المدى القصير، وإنما بإدارة ثرواته بطريقة تضمن استمرارها للأجيال القادمة.

قاع البحر قد يكون بعيدًا عن أعيننا، لكنه جزء أساسي من أمننا الغذائي والبيئي والمناخي، وحمايته أصبحت ضرورة وليست خيارًا.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى