مقالات الرأي

بين الاعتصام والدوام


بقلم / منيرة محمد

مع بداية العام الدراسي الجديد، تعود المدارس إلى فتح أبوابها أمام التلاميذ والطلاب، لكن المشهد لا يكتمل كالمعتاد، فهناك معلمون يطالبون بحقوقهم، وآخرون يجدون أنفسهم أمام خيار صعب بين الاستمرار في العمل أو الدخول في اعتصام احتجاجًا على أوضاع يرون أنها لم تعد مقبولة.

المعلم ليس بعيدًا عن الظروف التي يعيشها المواطن، فهو موظف لديه أسرة والتزامات ومصاريف، ويواجه ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، وفي الوقت نفسه يُطلب منه أن يؤدي رسالته التعليمية مهما كانت الظروف. لذلك فإن المطالبة بتحسين أوضاع المعلمين ليست ترفًا، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها مشكلة ثانوية.

لكن في المقابل، هناك طالب ينتظر أن يبدأ عامه الدراسي، وأسرة رتبت ظروفها على أساس أن المدرسة ستفتح أبوابها، وطفل لا علاقة له بالخلافات بين المعلم والجهات المسؤولة. وهنا تظهر المشكلة الحقيقية: كيف يمكن للمعلم أن يطالب بحقه دون أن يتحول الطالب إلى الطرف الذي يدفع ثمن الخلاف؟

الاعتصام وسيلة مشروعة للتعبير عن المطالب، خصوصًا عندما تتكرر الوعود ولا تجد طريقها إلى التنفيذ، لكن استمرار تعطيل الدراسة يترك آثارًا لا تتوقف عند الأيام التي يقضيها الطالب خارج الفصل. فكل يوم دراسي يضيع يضغط على بقية العام، ويزيد من صعوبة استكمال المناهج، وقد ينعكس في النهاية على الامتحانات والنتائج.

وفي الجهة الأخرى، لا يمكن مطالبة المعلم بالصمت إلى ما لا نهاية. فمن غير المنطقي أن نتحدث عن تطوير التعليم وتحسين مستوى الطلاب، ثم نتجاهل أوضاع من يقف أمامهم داخل الفصل. المعلم يحتاج إلى مرتب مناسب، وإلى تقدير لدوره، وإلى بيئة عمل تساعده على أداء مهمته، وإلى معالجة واضحة للمشكلات التي تتكرر عامًا بعد عام.

المشكلة إذن ليست في المعلم وحده، وليست في الطالب أو الأسرة، وإنما في إدارة ملف التعليم بطريقة تجعل الأزمة تعود كل عام بصورة مختلفة. مرة بسبب المرتبات، ومرة بسبب علاوات أو فروقات مالية، ومرة بسبب نقص الإمكانات أو تأخر القرارات.

المطلوب هذه المرة أن تكون هناك معالجة جادة، لا أن تنتظر الجهات المسؤولة حتى تبدأ الاعتصامات ثم تدخل في مفاوضات جديدة، ولا أن يُطلب من المعلمين تعليق مطالبهم دون ضمانات واضحة.

وفي الوقت نفسه، يحتاج المعلمون إلى وضع مصلحة الطلاب في مقدمة حساباتهم، والبحث عن وسائل احتجاج لا تؤدي إلى خسارة عام دراسي أو تحميل الأسر والطلاب نتائج خلافات لم يكونوا طرفًا فيها.

فالمدرسة ليست مكانًا للمعلم وحده، كما أنها ليست للطالب وحده. هي مسؤولية مشتركة، وأي خلل فيها ينعكس على المجتمع كله.

وبين الاعتصام والدوام، يبقى الحل الحقيقي في أن تجلس الجهات المسؤولة مع المعلمين بجدية، وتضع اتفاقًا واضحًا ومواعيد محددة لتنفيذ المطالب، بدل ترك الأزمة مفتوحة إلى أن تعود من جديد مع كل عام دراسي.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى