مقالات الرأي

بند المجاملات المليوني



بقلم / عفاف الفرجاني

بحكم إقامتي في القاهرة، أسمع كل يوم عن وفاة مواطن ليبي بسبب الأورام، وعن مريض عجز عن استكمال علاجه، وعن مستحقات لم تصل في وقتها إلى الجهات الطبية. وفي الوقت نفسه، أرى وأسمع عن سفارة تعيش ترف الحفلات والمجاملات، وكأنها تعمل في عالم آخر لا علاقة له بمواطن يموت لأنه لم يستطع دفع تكلفة علاجه.

هنا يبدأ السؤال الحقيقي:

أين تذهب أموال الليبيين؟ ومن يملك حق السؤال عنها داخل السفارات؟

القاهرة ليست إلا نافذة صغيرة على ملف أكبر يمتد إلى السفارات والبعثات والملحقيات الليبية في مختلف عواصم العالم. فبعد سنوات الفوضى والانقسام السياسي، أصبحت بعض هذه البعثات تعمل في بيئة مثالية لتضخم النفوذ، وتعدد مراكز القرار، وغياب الرقابة الفعلية على المال العام.

في قلب هذا الملف يبرز (بند العمل السياسي) المخصص للإنفاق المرتبط بالتمثيل السياسي والهدايا والمجاملات. وبحسب المعلومات المتداولة، لم يكن هذا البند في عهد الزعيم الراحل معمر القذافي يتجاوز خمسين ألف دولار، بينما وصل اليوم إلى نحو مليون ونصف المليون دولار، وسط غياب مساءلة واضحة عن أوجه إنفاق هذه الأموال وآليات مراجعتها.

وهنا تبرز مفارقة تستحق التحقيق السفير في أي دولة هو، في النهاية، موظف عام، وليس مالكًا للبعثة أو للمال المخصص لها. لكن في الحالة الليبية، أصبح السؤال عن الثروات والعقارات والامتيازات التي ظهرت حول بعض شاغلي هذه المناصب سؤالًا مشروعًا، خصوصًا عندما لا تتناسب الثروة الظاهرة مع الدخل الوظيفي المعروف.

وفي مختلف دول العالم، يبقى السفير موظفًا لدى دولته، أما في ليبيا، فقد أفرزت الفوضى السياسية واقعًا يبدو فيه بعض السفراء وكأنهم يغادرون الوظيفة الدبلوماسية بثروات لا تفسرها رواتبهم.

والثمن الحقيقي لهذه الفوضى لا يدفعه المسؤول، بل المواطن: مريض ينتظر علاجه، وطالب ينتظر مستحقاته، ومستشفى ينتظر أمواله، بينما تُصرف الأموال على الحفلات والهدايا والمجاملات.

لهذا، فإن المطلوب ليس اتهام السفراء جماعيًّا، وإنما فتح ملف استقصائي شامل لكل السفارات والبعثات الليبية كم دخل إليها؟ كم خرج منها؟ أين ذهبت الأموال؟ من وقّع؟ من راجع؟ ومن حاسب؟

وكل هذا يحتاج دولة، والدولة هي من صنعت هذا الفساد، والفساد لا يعالج إلا باقتلاع هذه الحكومة التي قتلت الشعب الليبي، بإهمالها في علاجهم، وقهر قلوبهم بتهميشهم، فالمشكلة ليست في (بند العملالسياسي) بحد ذاته، وإنما في أن يتحول بند صُمم لخدمة الدولة إلى ستار يحجب مسارات المال العام، فحين يصبح المواطن الليبي عاجزًا عن استكمال علاجه، بينما تتسع ميزانيات المجاملة، فهذه ليست أزمة مالية، إنها أزمة دولة، وأزمة رقابة، وأزمة ضمير وأخلاق.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى