التوظيف الظلي.. إفراغ للوظيفة العامة من مضمونها

بقلم/ غادة الصيد
تثير مسألة التوظيف الظلي إشكالية قانونية وإدارية بالغة الخطورة، إذ تفرغ الوظيفة العامة من جوهرها وتنسف أسس المشروعية التي يقوم عليها النظام الإداري للدولة، فالوظيفة العامة لم تنشأ لتكون مجرد صفة ورقية أو مركزًا شكليًّا، وإنما لتجسد مبدأ الخدمة العامة القائم على الكفاءة وتكافؤ الفرص والمساواة بين المواطنين. غير أن التوظيف الظلي يُكرس واقعًا مغايرًا، حيث يظهر الموظف المعلن على الورق دون ممارسة حقيقية لمهامه، بينما يتولى آخرون القيام بالعمل دون أن يحظوا بالغطاء الوظيفي، هذه الممارسات تمثل انحرافًا عن مبادئ الشرعية، وتُحدث اضطرابًا في البنية الوظيفية، إذ تضعف قيمة القرار الإداري وتحوله إلى غطاء شكلي يخالف القاعدة المستقرة بأن القرارات الإدارية يجب أن تصدر لتحقيق المصلحة العامة، لا لإضفاء صفة ظاهرية على واقع باطل. ويترتب على هذا الخلل آثار متعددة، أبرزها ضياع الحقوق الوظيفية للعامل الفعلي، وحرمانه من الضمانات المالية والإدارية التي كفلها القانون، فضلًا عن تعقيد مسألة المسؤولية عند وقوع الأخطاء، حيث تنازعهما صفة الموظف الورقي الذي لم يباشر مهامه والموظف الفعلي الذي عمل دون سند صحيح.
التوظيف الظلي لا يقف عند حدود إهدار حقوق الأفراد، بل يطال كيان الدولة وهيبتها، فهو يعكس صورة جهاز إداري هش، يسمح بالالتفاف على النصوص، ويرسخ ثقافة المحاباة والوساطة على حساب الكفاءة والاستحقاق، والأخطر من ذلك أنه يزرع بذور انعدام الثقة في المؤسسات، إذ يرى المواطن أن القانون موجود في النصوص، لكنه غائب في الممارسة، ولا يمكن مواجهة هذه الظاهرة من خلال التجريم وحده، لأن النصوص الزاجرة قد تبقى عاجزة مالم تعزز بآليات رقابية صارمة، وبنية إدارية تقوم على الشفافية وتكافؤ الفرص، وبقضاء إداري يمارس رقابية بجرأة في كشف هذا النمط من الانحراف وإبطاله، فالمعركة ضد التوظيف الظلي هي في جوهرها معركة من أجل تكريس الشرعية الإدارية وصيانة الوظيفة العامة من التشوية، وهو ما يقتضي وعيًا مجتمعيًّا ورقابة فعالة تضع حدًّا لهذه الظاهرة التي تفرغ الوظيفة العامة من مضمونها، وتحولها إلى صورة بلا روح واسم بل فعل.
